في ظل قانون الأجراءات الجنائية المصري الجديد، العدالة التي تنشدها الشعوب في مطلع الالفية الثالثة لم تعد تقاس بصلابة الاقفال أو ارتفاع الجدران، بل بمدى قدرة القانون على الموازنة بين مقتضيات الأمن القومي وحرمة الحرية الشخصية التي هي الأصل والمنتهى، وفي ظل القفزة التشريعية الكبرى التي جسدها قانون الإجراءات الجنائية المصري الجديد رقم 174 لسنة 2025، نجد أنفسنا أمام ضرورة ملحة لإعادة تعريف الاحتجاز كفعل قانوني وإجرائي، فالحبس الاحتياطي الذي طالما وصف بأنه ضرورة مرة أو يمكن أن نطلق عليه أبغض الحلال في فقه الإجراءات، يجب أن يفسح المجال اليوم لابتكار قانوني يواكب عصر الرقمنة الشاملة، وهو ما يمكن تسميته بالتدابير الاحترازية السيبرانية التي تمثل تحولا جوهريا في فلسفة العقاب والإحتراز، حيث ينتقل التركيز من سلب حرية الجسد إلى تقييد الخطورة الإجرامية عبر أدوات برمجية ذكية تضمن عدم هروب المتهم أو تأثيره على مجريات التحقيق دون أن تقتلعه من جذوره الاجتماعية والمهنية، إن المتأمل في واقع السياسة الجنائية الحديثة يدرك أن الحبس الاحتياطي بشكله الكلاسيكي بات عبئا يرهق كاهل الدولة إقتصاديا ويستنزف طاقات المرفق القضائي في عمليات الترحيل والحراسة، فضلاً عما يسببه من وصمة اجتماعية وانهيار نفسي لمتهم قد تظهر براءته لاحقا، ومن هنا تنبثق فكرة الأسوار الرقمية الافتراضية التي تعتمد على تقنيات الجيوفيزياء المكانية والذكاء الاصطناعي التنبئي، حيث يتم رسم نطاق جغرافي إلكتروني حول المتهم يسمح له بممارسة حياته الطبيعية داخل حيز معين، بينما تظل تحركاته تحت مجهر رقابة لحظية لا تنام عبر سوار ذكي مرتبط بأقمار صناعية لا تكتفي برصد الموقع بل تحلل نمط الحركة والسلوك، وهذه المنظومة ترتبط ارتباطا وثيقا بتقنية البلوكشين التي تضمن عدم التلاعب بسجلات المراقبة أو محوها، مما يجعل من الدليل الرقمي حجة قاطعة لا تقبل الجدل أمام المحكمة، ويحول دون وقوع أي تعسف قد يشوب التقارير البشرية التقليدية، وعلاوة على ذلك فإن التدبير السيبراني يتيح للقضاء المصري أدوات ضبط غير مسبوقة خاصة في الجرائم الاقتصادية وجرائم تقنية المعلومات، فبدلا من إيداع المتهم في سجن مادي قد لا يمنعه من التواصل مع أعوانه بطرق خفية، يمكن فرض عزل رقمي مشفر يحظر عليه استخدام منصات معينة او إجراء تحويلات مالية بأمر برمجي نافذ، مما يحقق غاية الاحتراز بفاعلية تفوق مئات المرات غياهب السجون، كما أن هذا النظام يحل معضلة الاكتظاظ في أماكن الاحتجاز ويقضي تماماً على ما يعرف بالعدوى الإجرامية التي تحدث نتيجة اختلاط المتهمين في قضايا بسيطة بالمجرمين المحترفين، إن هذا النفس البلاغي في صياغة الإجراءات الجنائية يجعل من القانون كائنا حياً يتنفس لغة العصر، ويحول الخوارزمية من مجرد كود برمجي إلى حارس أمين للعدالة، حيث يتم التنبؤ بأي محاولة لخرق التدبير قبل وقوعها عبر تحليل البيانات الضخمة التي ترصد اقتراب المتهم من الموانئ أو المطارات أو مساكن الشهود، مما يمنح سلطات التحقيق قدرة استباقية تحمي المجتمع وتصون الحقوق في آن واحد، إن التحدي الحقيقي الذي يواجهه الفقه الجنائي المصري اليوم هو كيفية صهر هذه التقنيات في قوالب قانونية لا تجور على حرمة الحياة الخاصة، وهو ما يتطلب دقة متناهية في صياغة النصوص التنفيذية التي تنظم هذه التدابير بحيث تظل الرقابة السيبرانية محكومة بمبادئ المشروعية والضرورة والتناسب، وبناء عليه فإننا بصدد بناء صرح جديد للعدالة الرقمية تتبوأ فيه التكنولوجيا مكانة الصدارة في حماية البراءة المفترضة، وتتحول فيه السجون من مؤسسات للعزل المادي إلى منظومات ذكية للتقويم والرقابة تضمن للدولة هيبتها وتحفظ للمواطن كرامته، ولذلك فان التوصية الختامية تفرض ضرورة إقرار مشروع الرقابة الذكية الشاملة كملحق إجرائي ملزم يتضمن تدشين وحدة مركزية لإدارة التدابير السيبرانية تتبع وزارة العدل مباشرة وتكون مسؤولة عن إدارة السيرفرات والخوارزميات المشرفة على المتهمين مع تزويدها بصلاحيات تقنية تسمح لها بفرض السوار الإلكتروني والمنع الرقمي كبديل أصيل للحبس الاحتياطي، مع النص صراحة على اعتبار التقارير الصادرة عن هذه الأنظمة بمثابة محررات رسمية ذات حجية قاطعة في الإثبات الجنائي لا يجوز جحدها إلا بالتزوير، ليكون القضاء المصري سباقا في تحويل العدالة من نصوص صامتة إلى واقع رقمي يصون الإنسان ويبني الأوطان في ظل الجمهورية الجديدة التي لا تقبل بغير السيادة الكاملة للقانون والكرامة الإنسانية التي لا تنفصل عن التطور التقني المذهل.
هنا يثار تساؤل هل البنية التحتية التقنية في المحاكم المصرية الحالية جاهزة لاستيعاب حجم البيانات الضخمة التي ستولدها هذه الرقابة اللحظية؟
الاجابة على هذا التساؤل الجوهري تقتضي منا نظرة فاحصة تجمع بين الطموح التشريعي والواقع التقني على الأرض، فبصفتنا أمام تحول تاريخي في السياسة الجنائية المصرية، يمكن القول أن الجاهزية ليست مجرد "كبسة زر" بل هي مسار بدأ بالفعل وتواجهه تحديات لوجستية وتقنية دقيقة يمكن استعراضها في النقاط التحليلية الآتية:
اولا: البنية التحتية والجمهورية الرقمية
لا يمكن إنكار أن الدولة المصرية قطعت شوطا هائلا في بناء "مصر الرقمية"، وإنشاء مراكز بيانات عملاقة (Data Centers) قادرة على استيعاب تدفقات ضخمة من المعلومات، إن مدينة العدالة في العاصمة الإدارية الجديدة تمثل النواة الصلبة لهذه البنية، حيث تم تجهيزها بخوادم فائقة السرعة وتقنيات ربط بين المحاكم والنيابات. لكن التحدي يكمن في "الأطراف"، أي مدى جاهزية المحاكم في الأقاليم والنجوع للربط مع هذا المركز الرئيسي وضمان تدفق بيانات الرقابة اللحظية دون انقطاع، خاصة وأن أي عطل فني في "السوار الإلكتروني" قد يعني ضياع فرصة مراقبة متهم خطر أو ظلم متهم بريء.
ثانيا: تحدي البيانات الضخمة والذكاء الاصطناعي، الرقابة اللحظية على مئات أو آلاف المتهمين احتياطيا ستولد "سونامي" من البيانات (تحركات، اتصالات، أنماط سلوكية). وهنا لا تكفي الخوادم التقليدية، بل نحتاج إلى "خوارزميات فرز ذكية" قادرة على تمييز الخطر الحقيقي من التحركات العادية. البنية التحتية الحالية في وزارة العدل بدأت في استيعاب التقاضي عن بعد، لكنها تحتاج إلى تدشين "سحابة قضائية خاصة" (Judicial Private Cloud) تتمتع بأعلى معايير التشفير والقدرة على المعالجة اللحظية، لضمان أن يصل التنبيه لوكيل النيابة في جزء من الثانية.
ثالثا: الأمن السيبراني وحجية الدليل
الخطر الأكبر الذي يواجه هذا الطرح ليس في حجم البيانات، بل في تأمينها. إن أي اختراق لمنظومة الرقابة السيبرانية قد يؤدي إلى "تهريب إلكتروني" للمتهمين أو التلاعب بسجلات تحركاتهم. لذا، فان الجاهزية التقنية يجب أن تسبقها جاهزية دفاعية سيبرانية تضمن أن ما يسجله السوار الذكي هو "حقيقة مطلقة" لا يمكن جحدها أمام المحكمة المختصة، وهذا يتطلب استثمارات ضخمة في تقنيات "البلوكشين" الجنائي.
رابعا: الكادر البشري "المحارب الرقمي"
البنية التحتية ليست أجهزة فقط، بل هي عقول. نحتاج إلى جيل جديد من موظفي المحاكم والنيابة العامة يمتلكون مهارات "التحقيق الرقمي"، بحيث يستطيع سكرتير الجلسة أو وكيل النيابة قراءة التقرير التقني الصادر عن الخوارزمية وفهمه وتحويله إلى قرار قانوني. بدأت الدولة في تدريب القضاة، لكن الفجوة التقنية لدى الكادر الإداري المعاون لا تزال تحتاج إلى سد منيع.
الخلاصة الاستشرافية.. اعتقد أن ان البنية التحتية في مصر حاليا "جاهزة نظريا" ومؤهلة للبدء بمشروعات تجريبية (Pilot Projects) في دوائر المحاكم الاقتصادية والجنايات المركزية، لكن تعميمها الشامل يتطلب "نفسا طويلا" واستثمارات مستدامة في تكنولوجيا الحوسبة المتطورة. نحن نملك "الإرادة التشريعية" في القانون 174 لسنة 2025، ونملك "الرؤية السياسية"، وما تبقى هو اتمام "الهندسة التقنية" لتصبح المحاكم المصرية هي الأكثر ذكاء ف
ي المنطقة.