Saturday, 2026-02-07
مقال 06 February 2026 99 مشاهدة

مات "إبستين".. ولم تمت الفكرة فتشنا عن "الفضائح" وتجاهلنا "الضحايا"

الخط:
مشاركة:
مات "إبستين".. ولم تمت الفكرة  فتشنا عن "الفضائح" وتجاهلنا "الضحايا"
مع انتشار ملفات ابستين على وسائل التواصل الاجتماعي ومواقع الاخبار، الكل فتش عن "الفضائح" وتجاهل "أنين" الضحايا.

منذ أن طفا اسم "جيفري إبستين" على سطح الأحداث، قفز إلى الذهن ذلك السؤال التقليدي الساذج، كيف استطاع رجلٌ واحد أن يجمع كل خيوط المال، والنفوذ، والرذيلة في قبضة يده؟ لكن، دعونا نتجاوز السطح قليلاً، فالسؤال الأخطر الذي يخشى الجميع مواجهته ليس "كيف فعلها؟"، بل "هل كان وحده حقاً؟".
الحقيقة المرة التي تتوارى خلف عناوين الصحف الصاخبة هي أن إبستين لم يكن يوماً "الذئب المنفرد" أو العبقري الشرير الذي خدع العالم.
على العكس تماماً؛ إبستين لم يكن "خطأً" في النظام، بل كان هو "النظام" ذاته في أكثر صوره عُرياً ووحشية.
ليست عبقرية.. بل "شفرة" سرية
لم يمتلك إبستين عصاً سحرية، ولم يكن خارق الذكاء، بل كان مجرد تجسيد حي لشفرة قديمة تحكم كواليس العالم، "زواج المال بالسلطة ينجب الحصانة". لقد كان الواجهة الأنيقة لفكرة مرعبة، فكرة تؤمن بأن هناك قوانين تسري على العامة، وقوانين أخرى – غير مكتوبة – تُفصّل خصيصاً للنخبة.
إبستين هو "الفكرة" التي تهمس في أذن القوي بأن كل شيء قابل للشراء، من ذمم البشر وصولاً إلى صكوك الغفران القانونية. هو البرهان العملي على وجود "عالم موازٍ"؛ عالم الظل الذي تُدفن فيه الجرائم تحت السجاد الأحمر الفاخر، وحيث تكون بعض الأسماء أثقل من ميزان العدالة، وأغنى من أن تُساءل.
خريطة النفوذ.. أم شبكة الأمان؟
عندما تتفحص "الكتاب الأسود" لعلاقات إبستين، لن تجد مجرد قائمة أصدقاء، بل ستقف أمام خريطة جيوسياسية للنفوذ. رؤساء دول، أمراء، أباطرة مال، ونجوم مجتمع. هذا التلاقي المريب ينسف نظرية "المجرم الفرد"، ويضعنا أمام "كارتيل" ضخم يحمي أعضاءه.
لم يكن هؤلاء مجرد ضيوف؛ بل كانوا تروساً في آلة ضخمة توفر الحماية المتبادلة. كان إبستين هو "الصندوق الأسود" الذي يعرف أكثر مما ينبغي، وحمايته – أو ربما التخلص منه لاحقاً – كان ضرورة بقاء للمنظومة بأكملها، وليس لشخصه.
عندما تكون العدالة "عوراء" بإرادتها
لو كانت القصة تتعلق بالعدالة المجردة، لرأينا محاكمات علنية تزلزل عروشاً. لكن ما حدث كان مسرحية هزلية؛ صفقة قضائية مشبوهة في البداية، ثم صمت إعلامي مريب، وأخيراً تلك النهاية السينمائية داخل زنزانة خرساء.
موت إبستين لم يكن إسدالاً للستار، بل كان محاولة يائسة لحرق المسرح قبل أن يرى الجمهور ما يدور في الكواليس. الهدف لم يكن كشف الحقيقة، بل "احتواؤها" ودفنها مع جثته. لقد مات الرجل، لكنه ترك خلفه وصمة عار على جبين عدالة تغض الطرف حينما يكون المتهم "أحد الكبار".
الاستنساخ القادم.. إبستين الجديد
الخطيئة الكبرى التي قد نرتكبها اليوم هي أن ننام قريري الأعين ظناً بأن الكابوس انتهى. التاريخ، بلسانه الساخر، يخبرنا أن "إبستين" سيعود. ليس بنفس الوجه، ولا بنفس الاسم، وربما ليس في نفس البلد، لكنه سيعود لأن "البيئة الحاضنة" لا تزال قائمة وبقوة.
طالما توفرت العناصر الأربعة، سنشهد ميلاد وحش جديد، سلطة مطلقة لا تعرف الرقابة، ثروات فاحشة لا تخضع للمساءلة، إعلام مُدجن يسهل شراؤه أو إرهابه، ضحايا مستضعفون لا يملكون صوتاً.
في كل ركن من أركان العالم، هناك "مشروع إبستين" صغير ينمو الآن، يتغذى على نفس الفساد، ويحميه نفس الصمت.

الوجه الغائب.. طفولة سُحقت تحت عجلات "الكبار"
وسط ضجيج التحليلات السياسية والهوس بتتبع أسماء المشاهير في "سجلات الطيران"، سقطت الحقيقة الأكثر إيلاماً من الذاكرة، الضحايا. لقد تحول الأطفال والفتيات القاصرات في هذه القصة إلى مجرد "أرقام" في ملفات القضية، أو "أدلة إثبات" تستخدم لإدانة الكبار، بينما تم تجاهل الكارثة الإنسانية التي حلت بهم.
نحن نتحدث عن طفولة شُوّهت قبل أن تزهر، وعن براءة انتُزعت بقسوة لتكون وقوداً لآلة متعة مريضة. 
الجريمة الحقيقية لإبستين وشركائه لم تكن فقط في كسر القوانين، بل في كسر الأرواح. لقد أقنعوا ضحاياهم بأن أجسادهم سلع، وبأن صراخهم لا صدى له خلف الجدران العازلة للصوت في القصور الفارهة.
العار الحقيقي الذي يلاحقنا جميعاً ليس فقط في وجود شبكة إبستين، بل في أننا، كإعلام ومجتمع، لا نزال نفتش عن "الفضائح" ونتجاهل "الأنين". نتساءل عن مصير ثروة إبستين، ولا أحد يسأل: كيف سيكمل هولاء الضحايا حياتهم وهم يحملون ندوباً لا يمحوها الزمن؟ هؤلاء الضحايا ليسوا مجرد هوامش في قصة رجل ثري؛ هم القصة بأكملها، والدليل الحي على توحش عالم يدهس الضعفاء بلا رحمة ليبقى الأقوياء في القمة.
 المعركة لم تنتهِ بعد
إبستين ليس مجرد ملف قضائي سيطُوي بالنسيان، بل هو جرس إنذار يجب أن يظل يقرع في رؤوسنا. هو تذكير دائم بأن الخطر الحقيقي لا يكمن في "الأشخاص"، بل في "الأنظمة" التي تمنحهم الضوء الأخضر لافتراس الجميع.
مواجهة هذه "الفكرة" لا تكون بالصدمة اللحظية، ولا بـ "التريند" الذي يختفي بعد ساعات، بل بطرح الأسئلة المحرمة، وبإصرار عنيد على محاسبة لا تعرف "الخطوط الحمراء".
لقد مات جيفري إبستين، ولكن... هل ماتت "الفكرة"؟
الإجابة مخيفة، وتكمن في حقيقة أن أخطر فصول القصة.. ربما لم يُكتب بعد.

W
بقلم: Writer

كاتب ومحرر في بوابة الجمهورية الثانية.