Sunday, 2026-02-08
تقرير 07 February 2026 11 مشاهدة

بين الرياض وأبوظبي.. معركة النفوذ في اليمن بمليارات الدولارات

الخط:
مشاركة:
بين الرياض وأبوظبي.. معركة النفوذ في اليمن بمليارات الدولارات
كشف ستة مسؤولين لوكالة رويترز أن المملكة العربية السعودية، في أعقاب إجلائها القوات الإماراتية من اليمن أواخر العام الماضي، تعمل على توظيف رصيدها السياسي واستثمار مليارات الدولارات في محاولة لتعزيز سيطرتها على جارتها الجنوبية.
 
وأكدت رويترز أن هذه المهمة تمثل تحدياً هائلاً. إذ تسعى المملكة السعودية الغنية إلى توحيد الجماعات المسلحة والقبائل المتناحرة، وفي الوقت ذاته تدعم كيانا دولة منهاراً عبر ضخ أموال ضخمة، مع العمل على تهدئة الصراع غير المحسوم مع جماعة الحوثي في شمال اليمن عبر هدنة "هشة "، وذلك في فترة تواجه فيها الرياض أوضاعاً مالية داخلية صعبة.
تحول استراتيجي: الرياض تحاول تثبيت نفوذها بعد أولوية الداخل
ووفقاً لأربعة مسؤولين يمنيين ومسؤولين غربيين، خصصت المملكة ما يقارب 3 مليارات دولار خلال هذا العام لتمويل رواتب القوات اليمنية والموظفين المدنيين، ويشمل هذا المبلغ ما يقارب مليار دولار مخصصة لرواتب المقاتلين الجنوبيين الذين كانت تتولى أبوظبي دفع رواتبهم سابقاً.
وصرح وزير الإعلام اليمني، معمر الإرياني، في مقابلة مع وكالة رويترز، أن المملكة العربية السعودية تعاونت مع الحكومة اليمنية وأبدت استعدادها لتحمل كافة الرواتب بشكل كامل، دون أن يذكر رقماً إجمالياً. وأضاف الإرياني أن هذا الدعم السعودي سيمكن اليمن من إعادة تنظيم الفصائل المسلحة وإخضاعها لسلطة الدولة.
وأشار المسؤولون إلى أن الرياض تسعى لتحقيق قصة نجاح في الأجزاء الواقعة تحت سيطرة الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، والتي تدعمها المملكة وتعيش في المنفى بعيداً عن العاصمة صنعاء الخاضعة لسيطرة الحوثيين.
وأفادت جميع المصادر بأن الهدف من ذلك هو زيادة الضغط على جماعة الحوثي المتحالفة مع إيران، والتي تسيطر على ما يقارب ثلث مساحة البلاد، لإجبارها على الجلوس إلى طاولة المفاوضات، وفي الوقت نفسه تعزيز القوات الحكومية اليمنية تحسباً لأي مواجهة عسكرية محتملة.

الإغراء السياسي.. وعود بانفصال الجنوب بعد حل أزمة الحوثي

كما عرضت المملكة إغراءات سياسية، حيث أخبرت الانفصاليين اليمنيين أن حلمهم طويل الأمد بإقامة دولة مستقلة يمكن أن يتحقق إلى حقيقة، وذلك بعد حل الصراع مع الحوثيين، وفقاً لثلاثة من المسؤولين.
ولم تكن الحزمة المالية السعودية الشاملة لليمن، ولا انفتاحها المعلن تجاه فكرة الدولة الانفصالية، معروفة من قبل. وقد طلب معظم المسؤولين السبعة الذين تحدثت معهم رويترز في مدينة المكلا اليمنية الساحلية وفي العاصمة السعودية الرياض عدم الكشف عن هويتهم نظراً لطبيعة مناقشة سياسات غير معلنة رسمياً.
وأفاد مسؤولان يمنيان ومسؤول غربي بأن المملكة العربية السعودية أبلغت الانفصاليين أنه بإمكانهم إقامة دولتهم الخاصة طالما وافق اليمنيون الآخرون، على الأرجح عبر استفتاء، وبشرط أن يتم التعامل مع مشكلة الحوثيين أولاً.
وقال مسؤول انفصالي يمني إن الرياض أبلغتهم أن مصير الجنوب متروك لهم، لكن لا يمكن أن يحدث شيء حتى يتم التعامل مع الحوثيين.
واستضافت الرياض مؤتمراً في يناير لأهالي الجنوب، حيث رفع المشاركون علم الانفصال، وفقاً لمراسل رويترز الذي حضر المؤتمر. واعتبر مسؤولون يمنيون حضروا المؤتمر أن هذه الخطوة تمثل بادرة سخية من السعودية تهدف إلى تحويل الانتباه عن القضية في أبوظبي، حسبما أفادوا لرويترز.
ولم يرد المكتب الإعلامي لحكومة المملكة العربية السعودية، ولا الحكومة اليمنية، على طلبات التعليق المقدمة من الوكالة، بما في ذلك تلك المتعلقة بالأرقام المالية أو المحادثات حول مسار إقامة دولة جديدة. كما لم تتمكن رويترز من التحقق بشكل مستقل من صحة ما نقله المسؤولون عن حديث نظرائهم السعوديين حول هذه السياسات.
طموح السعودية في اليمن وسوريا والسودان
ورداً على أسئلة وجهتها رويترز إلى المكتب الإعلامي لحكومة الإمارات، قال مسؤول إن الإمارات خصصت موارد كبيرة على مدى أكثر من عقد من الزمن لتحسين الأوضاع الأمنية والإنسانية في اليمن. وأضاف المسؤول أنه بعد سحب قواتها من اليمن في العام الماضي، لم تعد الإمارات متورطة في الملف اليمني بأي شكل من الأشكال.
وإلى جانب موقفها الجديد في اليمن، فإن المملكة العربية السعودية تلعب دوراً أكثر نشاطاً في سوريا ما بعد الحرب، وفي السودان الذي يشكل ساحة أخرى للمنافسة مع الإمارات العربية المتحدة، مما يمثل تحولاً عن السنوات التي كرست فيها جهودها لمبادرة ولي العهد الأمير محمد بن سلمان المعروفة باسم رؤية 2030 الهادفة لتحديث المملكة.
وبالرغم من أن الموارد المالية السعودية تواجه ضغوطاً كبيرة نتيجة انخفاض أسعار النفط الذي أبطأ وتيرة المشاريع الضخمة، إلا أنها لا تستطيع تحمل وجود مخاطر أمنية في جوارها المباشر، كما يرى فاريا المسلمي، الباحث في برنامج الشرق الأوسط وشمال إفريقيا في معهد تشاتام هاوس.
وأوضح المسلمي أن عدم الاستقرار في اليمن، الذي تشترك معه المملكة بحدود يبلغ طولها 1800 كيلومتر، قد يعرقل خططها الطموحة لجذب الزوار الأجانب والاستثمارات المحلية. وكانت هجمات الحوثيين على البنية التحتية للطاقة السعودية في عام 2022 قد تبعها اتفاق لوقف إطلاق النار بسرعة.
وتعليقاً على الوضع، قالت ياسمين فاروق، مديرة مشروع الخليج في مركز مجموعة الأزمات الدولية للأبحاث، إن المملكة العربية السعودية ستعطي أولوية لتخصيص الموارد لليمن لأنها أصبحت المالك الوحيد لهذه المشكلة الآن.
الدافع الأمني: حدود طويلة ومشاريع وطنية تهددها المخاطر
وكانت المملكة العربية السعودية قد تدخلت عسكرياً في اليمن لأول مرة عام 2015، وقادت تحالفاً فضفاضاً من الدول السنية، بما في ذلك الإمارات العربية المتحدة، لمواجهة جماعة الحوثي الشيعية التي استولت على العاصمة صنعاء في العام السابق.
وقد دعمت كل من الرياض وأبوظبي الحكومة اليمنية المعترف بها دولياً، وكذلك فصائل منقسمة حول مسألة ما إذا كان ينبغي تقسيم البلاد إلى دولتين شمالية وجنوبية كما كان الوضع قبل التوحيد عام 1990.
وبعد سنوات من القتال أسفرت عن واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم، صمدت هدنة عام 2022 رغم التصعيد الإقليمي المرتبط بحرب إسرائيل وغزة، والذي شهد قيام الحوثيين باستهداف سفن في البحر الأحمر.
وفي شهر ديسمبر الماضي، شن انفصاليون مدعومون من الإمارات هجوماً مفاجئاً على قوات مدعومة من السعودية، في عرض نادر علني للتصاعد في التنافس بين القوتين السنتين.
ورداً على ذلك، قصفت الرياض شحنة عسكرية إماراتية في اليمن، وأمرت القوات الإماراتية بمغادرة البلاد، ودعمت هجوماً مضاداً ضد المجلس الانتقالي الجنوبي الانفصالي المدعوم من الإمارات.
ثم لجأت الرياض إلى حملة دبلوماسية، حيث دعت شخصيات من المجلس الانتقالي الجنوبي إلى الرياض لإجراء محادثات في أوائل يناير. وفي البداية، صادرت السلطات السعودية هواتفهم واستجوبتهم لمدة يومين بشأن الهجوم، وفقاً لثلاثة أشخاص مطلعين على الأحداث.
لكن في الأسابيع التي تلت ذلك، نقلت الرياض الانفصاليين إلى فنادق فاخرة من فئة خمس ن stars في المملكة، وغطت نفقات إقامتهم، وعرضت نقل بعض أفراد عائلاتهم جواً، حسبما أفاد أولئك الأشخاص الثلاثة.
وصرح مسؤول انفصالي لوكالة رويترز بأنه من الجيد أن تكون في جانب الفائز، حتى لو كنت أنت الخاسر.
ولم ترد الحكومة السعودية على أسئلة رويترز بشأن روايات المصادر لتلك الأحداث.

شراء الولاء.. تمويل الرواتب لجميع الأطراف بما فيها الخصوم السابقون

وكانت المملكة تدفع بالفعل رواتب المقاتلين الموالين لها. وبدأت مؤخراً بتمويل رواتب مئات الآلاف من موظفي الدولة وعشرات الآلاف من مقاتلي المجلس الانتقالي الجنوبي، وهم أنفسهم الذين هاجموا القوات المدعومة سعودياً في ديسمبر وكانوا يتلقون تمويلاً من أبوظبي سابقاً، وفقاً لما ذكره ستة مسؤولين.
وقال اثنان من المسؤولين إن إجمالي فاتورة السعودية لرواتب اليمنيين ومشاريع التنمية الأخرى ودعم الطاقة قد تتجاوز 4 مليارات دولار هذا العام وحده.
وصرح أحد المسؤولين الغربيين المطلعين على التطورات بأنه أصبح هناك الآن قبطان واحد يقود السفينة بدلاً من عدة قباطنة، مما يعني أن احتمالية غرقها أقل. وأضاف المسؤول أن الرياض تشتري حالياً الولاء والاستقرار، لكن الجميع يتساءل عما إذا كانت ستتمكن من الحفاظ عليهما.
وتسعى المملكة إلى توحيد الفصائل المتناحرة في جنوب اليمن ضمن هيكل عسكري واحد بقيادة سعودية، بهدف منع تفكك الدولة، وفقاً للمسؤولين الستة. وأضافوا أن هذا التوحيد سيسهم أيضاً في زيادة الضغط على الحوثيين.
واستخدمت المملكة العربية السعودية أيضاً أساليب عقابية. حيث خلص تقييم سعودي، وفقاً لثلاثة مصادر مطلعة على الموقف، إلى أن عدم معارضة وزير الدفاع اليمني محسن الدائري المزعومة لهجوم المجلس الانتقالي الجنوبي تُعد خيانة. وأفاد اثنان من تلك المصادر بأن الدائري قد أُقيل من منصبه، وأن السلطات السعودية احتجزته في الرياض لأسابيع خلال يناير. وأضافوا أنه نُقل منذ ذلك الحين إلى فندق، ويستقبل بعض الزوار.
ولم ترد الحكومة اليمنية ولا المكتب الإعلامي للحكومة السعودية على طلبات التعليق بشأن تلك الادعاءات. كما لم تتمكن رويترز من التواصل مع الدائري للحصول على تعليق فوري.
وأفادت مصادر يمنية بأن الرياض أبلغت بعض الأطراف المعنية أنها تأمل في حل النزاع في اليمن بحلول نهاية هذا العام. بينما صرح وزير الإعلام الإرياني لوكالة رويترز بأنه يأمل في توقف العمليات العسكرية بحلول نهاية عام 2026.
غير أن الخبير في تشاتام هاوس، فاريا المسلمي، يرى أن هذا الموعد النهائي يعد طموحاً ويهدف إلى ممارسة الضغط على القوى اليمنية لترتيب أوضاعها الداخلية.
ولا يزال اليمنيون منقسمين حول رؤى الدولة الواحدة أو المقسمة، كما أن هناك مقاومة بين مختلف الفصائل الانفصالية للخطط السعودية الرامية لإنشاء قيادة عسكرية موحدة.
وقال المسلمي إن الأمر قد يستغرق ما يصل إلى خمس سنوات حتى تتفاوض الأطراف وتجري استفتاءً بشأن مصير الجنوب. وقد يستغرق تفكيك اقتصاد حرب راسخ عمره عقد من الزمان في واحدة من أفقر دول العالم وقتاً أطول.
وعلى مدى عقد من الزمان، شاهد المعلم اليمني محمد الأكبري زملاءه وطلابه على حد سواء يتركون المدرسة للانضمام إلى جماعات مسلحة مدعومة إما من أبوظبي أو الرياض. ولا يزال راتبه الشهري حوالي 30 دولاراً، بينما لا يزال المقاتل البالغ من العمر 18 عاماً يكسب ما لا يقل عن 250 دولاراً.
وقال الأكبري لوكالة رويترز في مدينة المكلا الساحلية: عندما نعلم الأطفال، يقولون لنا: ماذا يفترض بي أن أفعل بهذا التعليم؟
وختم المسلمي بالقول إن أخطر ما يواجه اليمن اليوم هو استحالة تصور حياة سلمية خارج نطاق العسكرة والحرب والقتال.
W
بقلم: Writer

كاتب ومحرر في بوابة الجمهورية الثانية.