رسالة إلى المجتمع: لا تجعلوا فرحة الزواج سببًا في إيذاء الناس وكسر خواطر الفقراء والمحتاجين
إعداد وكتابة: دكتور أحمد عبد الرؤوف حسن
عضو هيئة مكتب مجلس الشباب المصري
في ظل ما يشهده مجتمعنا من تغيرات في بعض العادات والتقاليد المرتبطة بالزواج وتجهيز العرائس، أصبحنا أمام ظاهرة تستحق الوقوف أمامها وقفة جادة، ليس من باب الاعتراض على الفرح أو إظهار السعادة، وإنما من باب الحفاظ على القيم الدينية والأخلاقية والإنسانية التي تربينا عليها، والتي تميز بها مجتمعنا المصري الأصيل.
لقد تحولت بعض مظاهر تجهيز العرائس في عدد من المناطق والقرى إلى مشاهد من الاستعراض والمبالغة والتفاخر، حيث تُحمَل أجهزة العرائس والأثاث والمفروشات على السيارات والمقطورات الزراعية، وتخرج المواكب في الشوارع، وقد يصاحبها إغلاق الطرق وتعطيل حركة المرور وإيذاء المارة، ولا سيما بعد صلاة الجمعة، حين يكون الناس في طريق عودتهم إلى منازلهم وأعمالهم.
وهنا يحق لنا أن نتساءل: هل أصبحت الفرحة لا تكتمل إلا بتعطيل مصالح الناس؟ وهل أصبح نجاح الزواج يُقاس بعدد السيارات وحجم الأجهزة التي تُعرض أمام الجميع؟ وهل من الأخلاق أن نفرح في الوقت الذي نُضيّق فيه على الآخرين ونُعرّض حياتهم ومصالحهم للخطر؟
إننا لا نعارض فرحة أسرة بابنتها، ولا ننتقص من حق الأهل في تجهيز ابنتهم بما يستطيعون، ولا ندعو إلى إخفاء النعمة أو منع مظاهر الفرح المشروعة، ولكننا نرفض أن تتحول النعمة إلى وسيلة للتفاخر، وأن تتحول الفرحة إلى أذى للآخرين، وأن تصبح العادات الاجتماعية عبئًا على الفقراء والمحتاجين.
أولًا: الإسلام دين اليسر والاعتدال وليس دين الإسراف والمباهاة
لقد وضع القرآن الكريم منهجًا واضحًا في الاعتدال والإنفاق، فقال الله تعالى:
﴿وَآتِ ذَا الْقُرْبَىٰ حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا﴾ [الإسراء: 26-27].
وقال سبحانه وتعالى:
﴿وَلَا تُصَعِّرْ خَدَّكَ لِلنَّاسِ وَلَا تَمْشِ فِي الْأَرْضِ مَرَحًا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ مُخْتَالٍ فَخُورٍ﴾ [لقمان: 18].
وهذه الآيات الكريمة ترسم للمسلم طريقًا واضحًا في حياته؛ فلا إسراف ولا تبذير، ولا تعالٍ على الناس، ولا تفاخر بما نملك، فالقيمة الحقيقية للإنسان ليست فيما يعرضه أمام الناس من أثاث وأجهزة ومقتنيات، وإنما فيما يحمله قلبه من إيمان وتواضع وخلق كريم.
ثانيًا: إيذاء الطريق وتعطيل مصالح الناس مخالفة لهدي النبي ﷺ
إن من أعظم ما ينبغي التنبيه إليه أن الطريق حق مشترك لجميع الناس، وليس ملكًا لأسرة أو مجموعة تحتفل بمناسبة اجتماعية.
وقد وضع رسول الله ﷺ قاعدة عظيمة في احترام الطريق، فقال:
«إياكم والجلوس بالطرقات».
فلما سأله الصحابة عن حق الطريق قال:
«غض البصر، وكف الأذى، ورد السلام، والأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر».
متفق عليه، رواه البخاري ومسلم.
فتأملوا كيف جعل النبي ﷺ كف الأذى من حقوق الطريق، فكيف بمن يغلق الطريق على الناس، أو يعطل سيارات الإسعاف والمواصلات، أو يمنع إنسانًا من الوصول إلى عمله أو بيته، أو يتسبب في الزحام والمشاحنات؟
وقال رسول الله ﷺ:
«وتميط الأذى عن الطريق صدقة».
رواه البخاري ومسلم.
فإذا كانت إزالة الأذى عن الطريق صدقة يؤجر عليها المسلم، فكيف يكون إلقاء الأذى على الطريق وتعطيل مصالح العباد أمرًا يُحتفى به ويُفاخر به؟
إن الفرحة التي تُبنى على أذى الناس تحتاج إلى مراجعة حقيقية، فليس من المقبول أن نُدخل السرور على أسرة ونُدخل الضيق والضرر على عشرات الأسر الأخرى.
ثالثًا: مراعاة مشاعر الفقراء والأرامل واليتامى والمحتاجين واجب أخلاقي وإنساني
وهنا نصل إلى قضية ربما تكون أشد خطورة من مظاهر الإسراف نفسها، وهي قضية جبر الخواطر ومراعاة أحوال الناس.
ففي المجتمع أرامل فقدن أزواجهن، وأيتام فقدوا آباءهم، وأسر فقيرة لا تستطيع توفير أبسط متطلبات الزواج، وآباء يعجزون عن تجهيز بناتهم، وشباب يؤجلون الزواج سنوات طويلة بسبب التكاليف والمغالاة.
فكيف يكون شعور أب فقير يشاهد أجهزة العرائس تُعرض في مواكب طويلة، بينما لا يستطيع أن يوفر لابنته غرفة نوم أو بعض المستلزمات الأساسية؟
وكيف تشعر فتاة يتيمة أو أسرة محدودة الدخل وهي ترى ما يحدث من مظاهر المبالغة والاستعراض؟
إننا لا نقول إن على الناس إخفاء أفراحهم أو الامتناع عن الاحتفال، ولكننا نقول إن مراعاة مشاعر الآخرين من مكارم الأخلاق، وإن جبر خاطر الفقير أعظم من إبهار الناس بما نملك.
وقد قال الله تعالى:
﴿وَاعْبُدُوا اللَّهَ وَلَا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَبِذِي الْقُرْبَىٰ وَالْيَتَامَىٰ وَالْمَسَاكِينِ وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالْجَنْبِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾ [النساء: 36].
وقال سبحانه:
﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ﴾ [الضحى: 9-10].
فأين نحن من هذه المعاني العظيمة إذا كانت بعض مظاهر أفراحنا تؤلم قلوب الضعفاء وتُشعرهم بالعجز والحرمان؟
رابعًا: البركة في تيسير الزواج وليست في كثرة الأجهزة والمظاهر
إن من أخطر المشكلات التي تواجه الشباب اليوم المغالاة في المهور، والمبالغة في تجهيز العرائس، واشتراط ما لا يطيقه كثير من الشباب، حتى أصبح الزواج عند بعض الأسر مشروعًا ماليًا واستعراضيًا بدلًا من أن يكون ميثاقًا غليظًا قائمًا على المودة والرحمة.
وقد قال الله تعالى:
﴿وَأَنْكِحُوا الْأَيَامَىٰ مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإِمَائِكُمْ إِنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ﴾ [النور: 32].
وهذا توجيه قرآني عظيم إلى تيسير الزواج وعدم جعل الفقر المادي وحده حاجزًا أمام تكوين الأسرة.
وقد جاء رجل إلى النبي ﷺ يريد الزواج، فقال له رسول الله ﷺ:
«التمس ولو خاتمًا من حديد».
فلما لم يجد، زوّجه النبي ﷺ بما معه من القرآن يعلمه إياه.
والحديث متفق عليه، وفيه دلالة واضحة على عدم جعل المهر المادي الباهظ شرطًا لتعسير الزواج.
ومن النماذج المضيئة في حياة الصحابة أن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه تزوج على وزن نواة من ذهب، فلما علم النبي ﷺ بزواجه قال له: «أَوْلِمْ ولو بشاة».
رواه البخاري.
ولم يكن أصحاب رسول الله ﷺ يجعلون التفاخر بالمهر والأثاث والأجهزة معيارًا لقيمة الزواج، بل كانت حياتهم قائمة على التيسير والرضا والبركة والتعاون.
والنبي ﷺ نفسه كانت صدقات نسائه اثنتي عشرة أوقية ونشًّا، كما ثبت في صحيح مسلم، وهو ما يبين أن المبالغة في المهور ليست من هديه.
إن البركة ليست في كثرة ما نشتري، وإنما في حسن الاختيار، وصدق النية، ورضا الطرفين، والتيسير، والإنفاق الحلال، وحسن المعاشرة.
خامسًا: من أخلاق السلف الصالح جبر الخواطر والتواضع وعدم التفاخر
لقد تربى الجيل الأول على أن قيمة الإنسان في تقواه وعمله وإحسانه، لا في ماله ومظهره.
وكان عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه، وهو من أغنياء الصحابة، مثالًا في البذل والإنفاق، ولم يكن المال عنده وسيلة للتعالي على الناس، بل وسيلة للخير والعطاء.
وكان أبو بكر الصديق وعمر بن الخطاب وعثمان بن عفان رضي الله عنهم من أعظم نماذج البذل والإنفاق في سبيل الله، فقدموا أموالهم في نصرة الدين وإعانة المحتاجين.
ومن أعظم النماذج التي ينبغي أن نتذكرها موقف الأنصار مع المهاجرين؛ فقد أثنى الله عليهم بقوله:
﴿وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾ [الحشر: 9].
هذه هي الأخلاق التي نحتاج إلى إحيائها في بيوتنا ومجتمعاتنا: الإيثار، والتواضع، والرحمة، ومراعاة أحوال الآخرين.
فليس الشأن أن يرى الناس ما نملك، وإنما الشأن أن يشعر الناس بأخلاقنا ورحمتنا.
سادسًا: الزواج ميثاق غليظ وليس مسابقة في عرض الممتلكات
إن الزواج في الإسلام سكن ومودة ورحمة، قال الله تعالى:
﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ﴾ [الروم: 21].
فهل من الحكمة أن يبدأ الزوجان حياتهما بالديون والمقارنات والمنافسة في الأجهزة والمظاهر؟
وهل من العدل أن تُحمّل أسرة نفسها ما لا تطيق حتى لا يقال إن جهاز ابنتها أقل من جهاز ابنة الجيران أو الأقارب؟
إن البيوت لا تُبنى بكثرة الأجهزة، وإنما تُبنى بالمودة والاحترام والرحمة والتفاهم وحسن العشرة.
وكم من بيت بسيط عاش أهله في سعادة واستقرار، وكم من بيت امتلأ بالأثاث والمقتنيات لكنه افتقد السكينة والرحمة.
إننا بحاجة إلى تغيير ثقافة المجتمع، وأن نُعيد تعريف الفرح الحقيقي، وأن نُعلّم أبناءنا أن احترام الناس مقدم على استعراض الممتلكات، وأن كرامة الإنسان لا تُقاس بما يملكه.
سابعًا: توصيات وحلول عملية لمواجهة هذه الظاهرة
انطلاقًا من المسؤولية الدينية والمجتمعية، فإننا نطرح مجموعة من التوصيات التي نأمل أن تتحول إلى سلوك عملي داخل الأسرة والمجتمع:
1. نشر ثقافة تيسير الزواج: من خلال توعية أولياء الأمور والشباب بأن المهر والتجهيز ينبغي أن يكونا في حدود الاستطاعة، بعيدًا عن المغالاة والمنافسة الاجتماعية.
2. وقف مظاهر الاستعراض والتفاخر: والابتعاد عن تحويل جهاز العروس إلى موكب لاستعراض الممتلكات أمام الناس، مع احترام حق كل أسرة في الفرح المشروع.
3. احترام الطريق والمرافق العامة: وعدم إغلاق الشوارع أو تعطيل المرور، وخاصة بعد صلاة الجمعة، مع الالتزام بالقوانين والتعليمات المنظمة للاحتفالات والمواكب.
4. توعية الأسر بخطورة كسر خواطر المحتاجين: وأن تراعي الأسر ظروف الأرامل والأيتام والفقراء ومحدودي الدخل، فلا تجعل من أفراحها مناسبة للمقارنة أو إحراج الآخرين.
5. تشجيع تجهيز العرائس اليتيمات وغير القادرات: من خلال مبادرات أهلية ومجتمعية، وصناديق للتكافل، ومشاركة القادرين في تجهيز الفتيات المحتاجات بكرامة وسرية.
6. دور المؤسسات الدينية: أن تقوم المساجد والدعاة والعلماء بتوعية المجتمع بخطورة الإسراف والمغالاة وإيذاء الطريق، وبيان فضائل التيسير وجبر الخواطر.
7. دور المؤسسات التعليمية والإعلامية: في نشر النماذج الإيجابية للأسر التي يسرت الزواج، وإبراز أن قيمة الإنسان بأخلاقه وليس بمظاهر ممتلكاته.
8. تفعيل دور القيادات المجتمعية ومؤسسات المجتمع المدني: في عقد لقاءات ومبادرات محلية للحد من المغالاة في تكاليف الزواج، والتصدي للعادات التي تُرهق الأسر وتؤذي المجتمع.
9. تقديم القدوة الحسنة: بأن يبدأ أصحاب المكانة الاجتماعية والقدرة المالية بأنفسهم في التيسير والاعتدال، حتى تصبح البساطة قيمة يُفتخر بها لا مظهرًا يُنتقص من صاحبه.
ختامًا:
إن رسالتنا ليست ضد الفرح، بل ضد الإسراف، وليست ضد تجهيز العرائس، بل ضد المبالغة والاستعراض، وليست ضد العادات الأصيلة، بل ضد كل عادة تخالف الدين أو تضر بالإنسان.
فلنفرح، ولكن دون أن نؤذي أحدًا، ولنُظهر نعم الله علينا، ولكن دون أن نكسر خاطر محتاج، ولنُجهز بناتنا بما نستطيع، ولكن دون أن نحول الزواج إلى عبء اقتصادي ونفسي على الأسر والشباب.
ولنتذكر دائمًا أن أجمل جهاز هو بيت تسوده المودة والرحمة، وأجمل زفاف هو الذي لا يتأذى منه أحد، وأعظم زينة للإنسان هي حسن خلقه وتواضعه ورحمته بالناس.
فيا أيها الآباء والأمهات، ويا كل مقبل على الزواج: اجعلوا البركة غايتكم، والرحمة شعاركم، واحترام الناس منهجكم؛ فإن ما عند الله لا يُنال بالمباهاة، وإنما يُنال بالتقوى والإحسان.