Tuesday, 2026-03-10
مقال 10 March 2026 12 مشاهدة

شحاتة زكريا يكتب: رهانات المرحلة القادمة.. اقتصاد أم سياسة أم معركة وعي؟

الخط:
مشاركة:
شحاتة زكريا يكتب: رهانات المرحلة القادمة.. اقتصاد أم سياسة أم معركة وعي؟
سطور الخلاصة من الموقع
في لحظات التحول الكبرى تميل المجتمعات إلى طرح سؤال مركزي: ما الأولوية الآن؟ هل المعركة الحقيقية اقتصادية تتعلق بتحسين المؤشرات ورفع معدلات النمو؟ أم سياسية ترتبط بإدارة التوازنات وبناء التحالفات؟ أم أن التحدي الأعمق هو معركة وعي تخاض في العقول قبل أن تُحسم على الأرض؟ الحقيقة أن المرحلة القادمة لا تحتمل اختزالا مريحا
تفاصيل الخبر كاملاً

 

 

في لحظات التحول الكبرى تميل المجتمعات إلى طرح سؤال مركزي: ما الأولوية الآن؟ هل المعركة الحقيقية اقتصادية تتعلق بتحسين المؤشرات ورفع معدلات النمو؟ أم سياسية ترتبط بإدارة التوازنات وبناء التحالفات؟ أم أن التحدي الأعمق هو معركة وعي تخاض في العقول قبل أن تُحسم على الأرض؟ الحقيقة أن المرحلة القادمة لا تحتمل اختزالا مريحا. فنحن أمام مشهد مركب تتداخل فيه الأبعاد الثلاثة بصورة تجعل الفصل بينها أقرب إلى التحليل النظري منه إلى الواقع العملي. الاقتصاد يؤثر في السياسة والسياسة تشكل بيئة الاقتصاد وبينهما يتشكل وعي عام قادر على دعم المسار أو التشكيك فيه .. على الصعيد الاقتصادي لا يمكن إنكار أن الضغوط العالمية ما زالت حاضرة بقوة. اضطراب سلاسل الإمداد تحولات أسواق الطاقة تذبذب أسعار العملات واشتداد المنافسة على الاستثمارات كلها عوامل تفرض على أي دولة أن تتحرك بحذر وحسابات دقيقة. الإصلاح الاقتصادي لم يعد خيارا تجميليا بل ضرورة تفرضها طبيعة اللحظة الدولية. لكن الإصلاح مهما بلغت أهميته يحتاج إلى بيئة مستقرة وإلى ظهير شعبي يدرك أبعاده وضرورته.

وهنا يتقاطع الاقتصاد مع السياسة. فالقرارات الاقتصادية الكبرى خاصة تلك التي تمس الدعم أو الضرائب أو أولويات الإنفاق ليست قرارات فنية بحتة. إنها قرارات سياسية بامتياز لأنها تعيد توزيع الأعباء والمكاسب داخل المجتمع. ومن ثم فإن إدارة المرحلة تتطلب توازنا دقيقا بين مقتضيات الإصلاح واعتبارات العدالة الاجتماعية وبين سرعة التنفيذ وامتصاص الآثار الجانبية .. السياسة من جانبها تواجه تحديات لا تقل تعقيدا. الإقليم يعاني من اضطرابات ممتدة، وتحالفات تعاد صياغتها وفق مصالح متغيرة، وقوى دولية تتنافس على مناطق النفوذ والأسواق. في مثل هذا السياق تصبح الدبلوماسية الهادئة والمرنة عنصرا أساسيا في حماية المصالح الوطنية. القدرة على بناء شراكات متنوعة وعدم الارتهان لمحور واحد وإدارة العلاقات بتوازن كلها رهانات سياسية لا تقل أهمية عن أي برنامج اقتصادي ..غير أن الاقتصاد والسياسة رغم ثقلهما لا يحسمان المشهد وحدهما. فهناك معركة ثالثة لا تقل خطورة: معركة الوعي. في عصر الإعلام الرقمي وتدفق المعلومات بلا حدود لم يعد تشكيل الرأي العام عملية عفوية. الشائعات تنتشر بسرعة والتحليلات غير الدقيقة قد تتحول إلى قناعات راسخة وخطاب الإحباط قد يتسع إذا لم يواجه بخطاب عقلاني متزن .. معركة الوعي لا تعني ترويجا أو دعاية بل تعني بناء قدرة مجتمعية على الفهم والتحليل. أن يدرك المواطن طبيعة التحديات وأن يفرق بين النقد البناء ومحاولات الهدم وأن يتعامل مع الأخبار بقدر من التحقق والاتزان. الوعي هو خط الدفاع الأول عن أي مشروع وطني لأنه يحول دون اختطاف النقاش العام أو توجيهه نحو مسارات تضر بالمصلحة العامة .. ولعل التجارب القريبة تؤكد أن الاقتصادات قد تتعافى من أزمات مالية وأن الأنظمة السياسية قد تعيد ترتيب أوراقها لكن الأضرار التي تلحق بوعي المجتمع يصعب ترميمها سريعا. حين تسود حالة من فقدان الثقة يصبح من الصعب تمرير أي إصلاح مهما كان منطقيا أو ضروريا. وحين ينتشر الإحباط تتراجع روح المبادرة ويتقلص الأمل في المستقبل .. من هنا فإن الرهان الحقيقي في المرحلة القادمة ليس اختيارا بين اقتصاد أو سياسة أو وعي بل إدارة متكاملة لهذه المسارات الثلاثة. الاقتصاد يحتاج إلى رؤية واضحة وأهداف قابلة للقياس والسياسة تحتاج إلى توازن ومرونة والوعي يحتاج إلى شفافية ومصارحة. كل مسار يغذي الآخر وكل خلل في أحدها ينعكس على البقية .. في السياق الوطني تبدو الحاجة ملحة إلى خطاب عام يجمع بين الواقعية والطموح. الواقعية في تشخيص التحديات دون تهوين أو تهويل والطموح في طرح بدائل وحلول قابلة للتنفيذ. المواطن لم يعد يكتفي بالشعارات بل يبحث عن أرقام ومؤشرات عن جدول زمني وعن شعور عادل بتوزيع الأعباء.

كما أن مؤسسات الدولة مطالبة بمواصلة تطوير أدواتها، سواء في إدارة الاقتصاد أو في التواصل مع المجتمع. فالعالم يتغير بسرعة وأدوات الأمس قد لا تكون كافية لرهانات الغد. المرونة المؤسسية والقدرة على التقييم المستمر والاستعداد لتصحيح المسار عند الحاجة كلها عناصر حاسمة في كسب رهان المرحلة .. في النهاية قد يبدو السؤال: اقتصاد أم سياسة أم معركة وعي؟ سؤالا جذابا من الناحية الصحفية لكنه في جوهره سؤال تكاملي لا اختزالي. المرحلة القادمة تتطلب اقتصادا قويا وسياسة متزنة ووعيا جمعيا قادرا على الفهم والمشاركة .. الرهان إذن ليس على عنصر واحد بل على قدرة الدولة والمجتمع معا على إدارة لوحة معقدة من التحديات دون إفراط في التفاؤل أو انزلاق إلى التشاؤم. وبين هذين الحدين تتشكل ملامح المستقبل وتكتب نتائج المرحلة القادمة.

W
بقلم: Writer

كاتب ومحرر في بوابة الجمهورية الثانية.