Saturday, 2026-02-21
خبر 20 February 2026 42 مشاهدة

الملكية على المحك.. اعتقال أندرو يهدد عرش تشارلز ويثير جدلا شعبيا في انجلترا

الخط:
مشاركة:
الملكية على المحك.. اعتقال أندرو يهدد عرش تشارلز ويثير جدلا شعبيا في انجلترا
سطور الخلاصة من الموقع
شهدت الساحة السياسية والقضائية في المملكة المتحدة تطورا غير مسبوق اليوم الخميس 19 فبراير 2026، مع إلقاء القبض على الأمير أندرو دوق يورك السابق، الابن الثاني للملكة إليزابيث الراحلة وشقيق الملك تشارلز الثالث
تفاصيل الخبر كاملاً

 



شهدت الساحة السياسية والقضائية في المملكة المتحدة تطورا غير مسبوق اليوم الخميس 19 فبراير 2026، مع إلقاء القبض على الأمير أندرو دوق يورك السابق، الابن الثاني للملكة إليزابيث الراحلة وشقيق الملك تشارلز الثالث.

 

ونُفذت عملية الاعتقال فجرا في مقر إقامته "وود فارم" الواقع في ملكية ساندرينغهام الملكية بمقاطعة نورفولك، حيث داهمت قوة من شرطة وادي التايمز المبنى واقتادته للتحقيق. وجاء الاعتقال بالتزامن مع ذكرى ميلاده السادسة والستين.

 

وتتركز التحقيقات حول اتهامات بإساءة استخدام منصبه بصفته مبعوثا تجاريا سابقا، والاشتباه في تسريبه وثائق ومعلومات حساسة تتعلق بالأمن القومي. وفي تطور لافت، أصدر الملك تشارلز بيانا أعرب فيه عن قلقه العميق إزاء هذه التطورات، مع تأكيده على ضرورة أن يسير القانون مجراه واستعداد القصر للتعاون الكامل مع السلطات القضائية.

 

مسيرة عسكرية حافلة بالأسرار

يُعد الأمير أندرو شخصية فريدة في العائلة المالكة البريطانية، إذ لم تكن ألقابه مجرد ألقاب تشريفية ممنوحة بحكم النسب، بل كانت ثمرة مسيرة عسكرية فعلية استمرت أكثر من عقدين. فبين عامي 2001 و2011، شغل منصب المبعوث التجاري الخاص لبريطانيا لشؤون التجارة الدولية والاستثمار، وهو المنصب الذي أتاح له الاطلاع على مفاصل الاقتصاد البريطاني وعلاقاته الخارجية.

 

وقبل ذلك، كان الضابط أندرو قد انخرط في المؤسسة العسكرية بكل أفرعها. التحق بسلاح الجو والبحرية الملكية، وأثبت كفاءة لافتة كطيار ماهر، فشارك فعليا في العمليات الحربية خلال حرب فوكلاند عام 1982، عندما أعادت بريطانيا سيطرتها على الجزر الواقعة في جنوب المحيط الأطلسي.

 

وتدرج في الرتب العسكرية حتى وصل إلى مناصب قيادية رفيعة، منها رتبة أميرال في القوات البحرية، والقائد العام لسلاح الجو التابع للبحرية البريطانية، إضافة إلى رتبة كولونيل وقائد فوج في وحدات جوية تابعة لدول الكومنولث مثل أستراليا وكندا ونيوزيلاندا. هذا التنوع في المواقع العسكرية والتجارية جعله على اطلاع واسع بأسرار الدولة الدفاعية والاستثمارية، فضلا عن موقعه كعضو فاعل في المجالس التجارية المرتبطة بالتاج.

 

جذور ألمانية في عروش أوروبا

 

ما قد لا يعرفه كثيرون أن الأصول العائلية للأمير أندرو والعائلة المالكة البريطانية تعود في جذورها إلى الأراضي الألمانية، وهو ما يفسر العلاقات المتشابكة بين البيوت المالكة في أوروبا.

 

تعود القصة إلى عام 1837 عندما اعتلت الملكة فيكتوريا العرش، ولم يكن للعائلة المالكة وريث ذكر قوي، فكان الزواج من الأمير ألبرت الألماني حلا استراتيجيا. كان ألبرت قادما من دوقية ساكسونيا كوبرغ زالفلد، وهي إحدى الإمارات الألمانية قبل توحيد ألمانيا. أنجبت فيكتوريا تسعة أطفال، ليصبح ابنها إدوارد السابع أول ملك من سلالة ساكس-كوبرغ وغوتا الألمانية عندما تولى الحكم عام 1901.

 

استمر هذا الواقع حتى عام 1917، حين كانت بريطانيا تخوض الحرب العالمية الأولى ضد الإمبراطورية الألمانية. ومع تصاعد المشاعر المعادية لألمانيا، قرر الملك جورج الخامس تغيير اسم العائلة المالكة من ساكس-كوبرغ وغوتا إلى وندسور، في محاولة لطمس الجذور الألمانية واسترضاء الرأي العام البريطاني. ومن المثير للاهتمام أن العائلة المالكة في بلجيكا، المنحدرة من السلالة نفسها، قامت بالتغيير نفسه خلال الفترة ذاتها.

 

وهكذا فإن اسم وندسور الحالي لم يظهر إلا في عام 1917، أما قبل ذلك فكانت العائلة تحمل اسم هانوفر، وهي سلالة ألمانية الأصل أيضا حكمت بريطانيا منذ عام 1714.

 

ولا تقتصر هذه الظاهرة على بريطانيا وبلجيكا فحسب، بل تمتد لتشمل العائلات المالكة في هولندا والنرويج والدنمارك وإمارة ليختنشتاين، التي تعود أصولها جميعا إلى الأراضي الألمانية، كما أن للعائلة المالكة في إسبانيا والسويد أصولا وجذورا ألمانية كذلك.

 

ويشير مراقبون إلى أن اعتقال الأمير أندرو، الحامل لهذه الإرث التاريخي المعقد، يمثل اختبارا حقيقيا للمؤسسة الملكية في العصر الحديث، التي تجد نفسها اليوم أمام استحقاقات قانونية وأخلاقية لا تعترف بالحصانات القديمة.

 

تفاصيل التسريبات

 

تشير التحقيقات والمستندات المسربة إلى أن الأمير السابق أندرو قام بتمرير وثائق رسمية إلى رجل الأعمال الأمريكي الراحل جيفري إبستين خلال الفترة التي شغل فيها منصب المبعوث التجاري لبريطانيا بين عامي 2001 و2011 .

 

بحسب وثائق وزارة العدل الأمريكية التي نشرت مؤخرا، فإن التسريبات تضمنت :

 

· تقارير مفصلة عن زيارات رسمية قام بها أندرو إلى كل من هونج كونج وفيتنام وسنغافورة، كانت ترسل إلى إبستين مباشرة.

· موجز سري حول فرص استثمارية في أفغانستان يتضمن معلومات عن الذهب واليورانيوم والنفط، أرسله أندرو إلى إبستين في ديسمبر 2010.

· رسائل إلكترونية تبادلها الأمير مع إبستين تكشف طبيعة العلاقة بينهما واستمرارها حتى بعد إدانة إبستين الأولى.

 

جميع المعلومات المتوفرة حتى الآن تؤكد أن المتلقي الرئيسي لهذه الوثائق كان جيفري إبستين شخصيا . التحقيقات تركز حاليا على ما إذا كان إبستين قد استخدم هذه المعلومات لصالحه الشخصي، أو ما إذا كان قد شاركها مع أطراف أخرى ضمن شبكة علاقاته الواسعة.

 

وثائق محذوفة ومعلومات مفقودة

 

لكن هناك تطورا مثيرا للجدل في هذه القضية، فوفقا لتقارير إعلامية، لوحظ أن حوالي 100 رسالة إلكترونية كانت متاحة سابقا ضمن وثائق إبستين أصبحت محجوبة أو "مشطوبة" بشكل مريب . من بين هذه المراسلات المحجوبة، رسالة تتعلق بلقاء مع امرأة روسية تدعى إيرينا، مما أثار اتهامات من ناجين من شبكة إبستين بأن هناك "تغطية للتغطية" على الجريمة .

 

كما كشف خبير في الشؤون الملكية أن أندرو قضى فترة عيد الميلاد الماضية في التخلص من وثائق، مشيرا إلى أن حوالي 16 ألف ملف قد تكون دمرت، معظمها من مكتبه الخاص . ومن بين هذه الوثائق، سجلات أمنية لبوابات مقر إقامته، رفض القصر تسليمها للشرطة بدعوى أنها تمس الأمن القومي .

التحقيقات الجارية مع أندرو(الذي أطلق سراحه بكفالة بعد اعتقاله) تحاول الإجابة عن أسئلة أساسية

 

· هل كانت هناك صفقة متبادلة مقابل هذه المعلومات؟

· هل استخدم أندرو وضعه الملكي السابق للتأثير على التحقيقات أو إتلاف أدلة؟

· هل هناك متلقون آخرون لهذه الوثائق غير إبستين؟

 

ما زالت التفاصيل الكاملة غير معلنة، ويتوقع المراقبون أن تكشف الأيام المقبلة عن مزيد من المعلومات، خاصة مع استمرار سلطات التحقيق البريطانية والأمريكية في تبادل المعلومات حول هذه القضية غير المسبوقة .

 

التسلسل الزمني لتجريد أندرو من ألقابه

 

المرحلة الأولى: تجريد يناير 2022 (الألقاب العسكرية الفخرية)

 

يذكر أن في 13 يناير 2022، وتحت ضغط قضية فرجينيا جوفري المدنية، جُرد الأمير أندرو من جميع ألقابه العسكرية الفخرية ورعاياه الملكية، وذلك بموافقة الملكة إليزابيث الراحلة. شمل ذلك رتبتي أميرال الأسطول والقائد العام لسلاح الجو التابع للبحرية، بالإضافة إلى ألقابه الفخرية المرتبطة بأفواج عسكرية في بريطانيا

ودول الكومنولث. كما تقرر آنذاك أن يتوقف عن استخدام لقب "صاحب السمو الملكي" في أي سياق رسمي  وجاء ذلك القرار في ذروة الضغوط على العائلة المالكة البريطانية بسبب تورط الأمير في قضية جيفري إبستين، وتحديدا بعد رفض القضاء الأمريكي طلب الأمير إسقاط الدعوى المدنية المرفوعة ضده بتهمة الاعتداء الجنسي على القاصر فرجينيا جوفري.

 

المرحلة الثانية: تجريد أكتوبر 2025 (الألقاب الملكية المتبقية)

 

في أكتوبر 2025، وبعد تصاعد الضغوط مجددا بسبب نشر مذكرات فرجينيا جوفري (التي انتحرت في أبريل 2025) وكشف وثائق جديدة في القضاء الأمريكي، اتخذ الملك تشارلز قرارا أكثر جذرية. فقد جرد شقيقه من لقب "الأمير" تماما، وأمر بطرده من مقر إقامته الملكي "رويال لودج" في وندسور. ومنذ ذلك التاريخ، أصبح يعرف رسميا باسم "أندرو ماونتباتن وندسور" فقط، دون أي ألقاب ملكية .

 

وفي نوفمبر 2025، أكملت الحكومة البريطانية الإجراءات بتجريده من آخر رتبة عسكرية كانت لا تزال بحوزته (رتبة نائب أميرال في البحرية)، بناء على رغبة الملك تشارلز .

 

المرحلة الثالثة: التحقيق الجنائي والاعتقال (فبراير 2026)

 

أما جرى اليوم الخميس 19 فبراير 2026 مختلف جوهريا عن المرحلتين السابقتين. فبينما كان التجريدان السابقان إجراءين ملكيين إداريين، فإن اعتقال اليوم هو إجراء جنائي على ذمة التحقيق في تهمة إساءة الوظيفة العامة. وتستند القضية إلى شبهات بأن الأمير السابق احتفظ بمستندات ومراسلات سرية تتعلق بعلاقته بجيفري إبستين، وسرب بعضها، رغم تجريده من جميع مناصبه الرسمية قبل سنوات .

 

وقد أظهرت وثائق أمريكية نشرت مؤخرا أن أندرو أرسل إلى إبستين في ديسمبر 2010 موجزا حول فرص استثمارية في أفغانستان تتضمن معلومات عن الذهب واليورانيوم والنفط، وذلك أثناء عمله مبعوثا تجاريا .

 

اعتقال الأمير السابق أندرو ليس مجرد فضيحة عائلية عابرة، بل هو زلزال سياسي وإعلامي له تداعيات عميقة على مستقبل النظام الملكي في بريطانيا. فهو أخطر أزمة منذ وفاة ديانا، فالصحف البريطانية تتحدث عن "أخطر أزمة تواجه العائلة المالكة منذ وفاة الأميرة ديانا". فقد وصف المراسل الملكي السابق لهيئة الإذاعة البريطانية (بي بي سي) بيتر هانت الاعتقال بأنه "زلزالي" ووضع العائلة المالكة في "منطقة مجهولة"، غير مجهزة للتعامل معها .

هناك تراجع غير مسبوق في الشعبية، فاستطلاعات الرأي تعكس أضرارا جسيمة، حيث أظهر استطلاع لمؤسسة "سافانتا" هذا الشهر أن تأييد النظام الملكي انخفض إلى 45% فقط، مقارنة بـ 63% في عام 2020، وبين الشباب من 18 إلى 24 عاما، انخفض التأييد إلى 23% فقط .

كما ظهرت دعوات لتنحي الملك تشارلز، فصحيفة "ديلي ميل" وضعت استفتاء لقرائها تسأل: "هل يجب على الملك التنحي؟".

 

محللون وخبراء دعوا الملك تشارلز للتنازل عن العرش لابنه ويليام "لإنقاذ الملكية" . تعليق على شبكة "سي إن إن" حذر من أن الظل الذي تلقيه القضية قد يدفع تشارلز للتنحي عبر آلية الوصاية.

نهاية عصر "لا تشتكِ ولا تفسر"، المبدأ الأشهر "لا تشتكِ ولا تفسر" الذي وضعته واتبعته الملكة إليزابيث طوال 70 عاما لم يعد مقبولا . العائلة مضطرة للإجابة عن أسئلة ومحاسبتها، وهو أمر كان "مفهوما غريبا" عنها حتى الآن .

 

بينما يرى البعض أن الاعتقال "أنقذ الملكية" وأثبت أن لا أحد فوق القانون ، يرى آخرون أن الضرر قد يكون مميتا. داي ديفيز، الرئيس السابق لحماية العائلة المالكة في سكوتلاند يارد، قال إن الاعتقال "قد يسقط العائلة المالكة كما نعرفها"، معتبرا أن الأمر أسوأ من أزمة تنازل إدوارد الثامن عام 1936 .

وزير العدل ديفيد لامي أكد أن "لا أحد فوق القانون في هذا البلد" . لكن تورط مبعوث تجاري سابق في تسريب وثائق حساسة لرجل أعمال أمريكي مدان يضر بسمعة بريطانيا الدولية ومكانتها.

 

السؤال الذي يطرح نفسه بقوة: هل تنجح الملكية في امتصاص هذه الصدمة، أم أننا نشهد بداية النهاية لأقدم نظام ملكي في العالم؟

 

 

R
بقلم: Rahma

كاتب ومحرر في بوابة الجمهورية الثانية.