في خطوة غير مسبوقة على صعيد سياسات الأمن الغذائي والتجزئة الحكومية، كشفت الحكومة المصرية في 17 فبراير 2026 عن واحد من أكثر مشاريعها طموحا في العقد الأخير، تحت اسم "كاري أون". المشروع الذي تبناه الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال اجتماع حضره رئيس مجلس الوزراء ووزيرا التموين والزراعة، يهدف إلى طي صفحة عقود من التشتت والضعف التنافسي الذي عانت منه منافذ التموين الحكومية، وإعادة تشكيلها في كيان تجاري عملاق قادر على منافسة السلاسل الخاصة بل والهيمنة على المشهد التسوقي لملايين المصريين.
جذور المشروع تمتد إلى أكتوبر ٢٠٢٥، حين بدأت وزارة التموين وحدها التفكير في تطوير منافذها كمجرد مبادرة شبابية داخلية. غير أن الفطنة السياسية والاقتصادية للرئاسة المصرية سرعان ما التقطت الإمكانات الكامنة في الفكرة، لتحولها من مجرد عملية تجميل لوجه المجمعات الاستهلاكية إلى مشروع قومي متكامل الأركان، يحمل بصمة رئاسية واضحة ويوظف إمكانيات الدولة العسكرية والمدنية معا لتنفيذه.
فكرة المشروع
المشروع في جوهره هو عملية استحواذ عكسية تقوم بها الدولة على قطاع التجزئة التمويني الحكومي نفسه. من خلال توحيد العلامة التجارية لكافة المنافذ التابعة للدولة تحت اسم واحد هو كاري أون، تخلق الحكومة شبكة موحدة تضم آلاف المنافذ المنتشرة في كل شبر من البلاد. الشبكة الجديدة لا تشمل فقط ١٠٦٠ منفذ تابع للشركة القابضة للصناعات الغذائية، بل تمتد لتضم ٣٠ ألف بقال تمويني سيتم تحويلهم إلى سوبر ماركت متطور، و٨٥٠٠ منفذ من مشروع جمعيتي، ليصبح المجموع أكثر من ٤٠ ألف منفذ موحد الهوية والإدارة.
الافتتاحات التجريبية الأولى كانت في مناطق ذات كثافة سكانية عالية، مثل كلية البنات والأميرية والسيدة زينب، حيث تم الكشف عن الوجه الجديد للمنافذ الحكومية. الزبائن الذين اعتادوا على صورة المجمعات الاستهلاكية التقليدية فوجئوا بتجربة تسوق حديثة تقدم سلعا بجودة عالية وأسعار تقل بوضوح عن مثيلاتها في الأسواق الخاصة، مع أنظمة دفع إلكترونية وإدارة مخزن رقمية تعد بالقضاء على مشاكل النواقص والفساد التي طالما عانت منها هذه المنافذ.
البعد الدولي وجذب الاستثمارات
المخطط الطموح لا يقف عند حدود تحسين شكل المنافذ، بل يمتد ليشمل إعادة هيكلة كاملة لسلسلة التوريد الغذائي في مصر. المشروع يستند في توفير السلع بشكل أساسي إلى مشروعات زراعية وحيوانية عملاقة تم إنشاؤها خلال العقد الماضي، مثل مستقبل مصر للتنمية المستدامة، مما يعني أن الدولة أصبحت تمتلك الآن القدرة على تتبع المنتج من لحظة بذره في الأرض حتى لحظة وضعه على رف السوبر ماركت، دون وسيط يرفع الأسعار أو يعبث بالجودة.
على المستوى الاستراتيجي، يتكامل مشروع كاري أون مع توجهات الدولة المصرية لتحويل نفسها إلى مركز إقليمي لتجارة السلع الاستراتيجية. الحكومة تخطط للإسراع في تفعيل البورصة السلعية المصرية، وإنشاء مناطق لوجستية مركزية تعيد رسم خريطة توزيع الغذاء في البلاد. في هذا السياق، تعمل شبكة كاري أون كذراع توزيع قادرة على التوسع مستقبلا لتصدير الفائض للخارج، أو استقبال بضائع من دول الجوار لإعادة تصديرها.
لكن التحدي الأكبر الذي يواجه المشروع ليس في بنيته التحتية أو في حجم استثماراته، بل في قدرته على البقاء وفيا لرسالته الاجتماعية الأصلية أثناء تحوله إلى كيان تجاري عملاق. الرئيس السيسي نفسه حذر خلال إطلاق المشروع من خطورة انزلاق هذه المنافذ إلى نفس ممارسات القطاع الخاص من مضاربات ومغالاة، وشدد على أهمية المتابعة الميدانية اليومية وفرض رقابة صارمة على الأسعار والجودة. السؤال الذي لا يزال مفتوحا هو ما إذا كانت البيروقراطية الحكومية قادرة على إدارة شبكة تجارية بهذا الحجم بكفاءة تشغيلية تقترب من قدرات القطاع الخاص، أم أن التجربة ستتحول مع الوقت إلى مجرد علامة تجارية جديدة على واجهات محلات لا تزال تعاني من مشاكل قديمة.
المواطن المصري البسيط، الذي يمثل المستهدف الأساسي بهذه المشروع، يتابع بحذر ما يحدث. يأمل أن تكون كاري أون هي البداية الحقيقية لعصر جديد من الأمن الغذائي والاستقرار السعري، حيث تتحول منافذ الدولة من مجرد مكان يصطف فيه لشراء الخبز المدعم ورغيف السكر، إلى سوبر ماركت حقيقي يجد فيه كل احتياجاته بجودة تنافس القطاع الخاص وسعر يلائم ظروفه الاقتصادية الصعبة. التجربة الآن على الأرض، وملايين المصريين هم من سيحكمون على نجاحها أو فشلها في الأشهر المقبلة.
لماذا تم اختيار اسم أجنبي لمشروع قومي مصري بهذا الحجم
ترى بوابة الجمهورية الثانية، من خلال تتبع التصريحات الرسمية وتحليل السياق، أنه يمكن اختزال الأسباب في النقاط التالية:
• الاسم كاري أون بمثابة علامة تجارية جديدة تماما، مبتعدة كل البعد عن الصورة الذهنية القديمة المرتبطة بمصطلحات مثل مجمع استهلاكي أو تموين. الحكومة تريد جذب شريحة الشباب والطبقة المتوسطة التي قد تنظر بازدراء للمنافذ الحكومية القديمة. الاسم الأجنبي يحمل إيحاءات بالعصرية والحداثة، ويوحي للمواطن بأنه سيدخل مكانا يختلف عن الصورة النمطية للمجمع الاستهلاكي التقليدي.
• الهدف من المشروع هو توحيد كل المنافذ التابعة للدولة تحت هوية بصرية واحدة. كان لا بد من اختيار اسم محايد، غير مرتبط بوزارة التموين أو أي جهة حكومية بعينها، حتى يصلح لأن يكون المظلة الجامعة لكل هذه الكيانات المتنوعة. اسم مثل كاري أون يؤدي هذا الغرض، فهو لا ينتمي لسياق محلي ضيق، بل يصلح لأن يكون علامة تجارية كبرى.
• مصر تخطط لأن تكون مركزا لوجستيا وتجاريا إقليميا. اختيار اسم عالمي مثل كاري أون يسهل عملية تسويق المشروع خارجيا، سواء للاستثمارات الأجنبية أو للشراكات الدولية، أو حتى لمرحلة تصدير المنتجات للخارج تحت هذه العلامة التجارية. الاسم يبدو مألوفا للأذن الأجنبية، وهذا يساعد في عملية التسويق العالمي.