بقلم: عمار ياسر
ليست كل المهن التي نتعامل فيها مع الإنسان متشابهة.. هناك مهن تتعامل مع جسده، وأخرى تتعامل مع تعليمه أو عمله أو احتياجاته اليومية، لكن مهنة الأخصائي والمعالج النفسي تقترب من منطقة أكثر خصوصية؛ منطقة لا يراها الناس عادة، ولا يسمحون للجميع بالدخول إليها.
إنها منطقة الأفكار والمشاعر والذكريات والمخاوف والصراعات الداخلية.
ولهذا فإن العمل النفسي ليس مجرد وظيفة تعتمد على مجموعة من المعلومات والنظريات والاختبارات، بل هو مسؤولية إنسانية ومهنية تتطلب قدرًا كبيرًا من الوعي والحذر والنضج.
لأنك لا تتعامل مع "حالة".. بل مع إنسان
قد يبدو الأمر بسيطًا عندما نقول: "هذه حالة اكتئاب"، أو "هذا اضطراب قلق"، أو "هذا طفل لديه اضطراب طيف التوحد".
لكن خلف كل تشخيص توجد قصة.
هناك إنسان له تاريخ وتجارب وعلاقات ومخاوف وأحلام، وهناك أسرة تحمل هي الأخرى الكثير من القلق والأسئلة.
التشخيص قد يساعدنا على فهم الحالة، لكنه لا يختصر الإنسان.
وهنا تظهر حساسية المهنة؛ لأن المتخصص النفسي مطالب بأن يرى الإنسان قبل أن يرى التصنيف، وأن يفهم السلوك في سياقه بدلًا من أن يحوله إلى مجرد "مشكلة يجب التخلص منها".
لأن الإنسان قد يقول لك ما لم يقله لأحد، في كثير من الأحيان، يدخل الشخص إلى الجلسة وهو يحمل أشياء لم يستطع الحديث عنها مع أقرب الناس إليه.
قد يتحدث عن خوف، أو شعور بالذنب، أو تجربة مؤلمة، أو علاقة مضطربة، أو أفكار يخجل من الاعتراف بها.
وفي هذه اللحظة، يصبح الإصغاء نفسه مسؤولية.
فالمتخصص لا يستمع لمجرد جمع المعلومات، وإنما يستمع لفهم ما وراء الكلمات، مع الحفاظ على الحدود المهنية والسرية والكرامة الإنسانية.
ولهذا فإن الثقة التي يمنحها المراجع للمتخصص ليست امتيازًا، وإنما أمانة.
لأن الكلمة في هذه المهنة لها وزن مختلف، في الحياة اليومية يمكن أن نقول كلمة وننساها بعد دقائق، أما داخل العلاقة المهنية، فقد تبقى كلمة واحدة في ذهن المراجع لسنوات.
عبارة غير محسوبة قد تزيد شعوره بالوصمة أو العجز، وعبارة أخرى في توقيت مناسب قد تساعده على رؤية نفسه بصورة مختلفة.
وهذا لا يعني أن الأخصائي النفسي يمتلك "كلمات سحرية"، وإنما يعني أن استخدام اللغة في العمل النفسي يحتاج إلى وعي كبير.
نحن لا نتحدث مع شخص في فراغ؛ نحن نتحدث مع شخص قد يكون في لحظة ضعف أو ارتباك أو فقدان ثقة.
لأن المتخصص نفسه جزء من العملية المهنية من أكثر الأمور التي تجعل المهنة النفسية حساسة أن شخصية المتخصص وطريقة حضوره وإدارته لانفعالاته يمكن أن تؤثر في طبيعة العلاقة المهنية.
لذلك لا تكفي المعرفة النظرية.
المتخصص يحتاج إلى أن يعرف كيف يستمع، ومتى يتحدث، ومتى يصمت، وكيف يضع حدودًا مهنية، وكيف يتعامل مع اختلافاته الشخصية عن المراجع دون أن يحولها إلى أحكام عليه.
فالاحتراف الحقيقي لا يعني أن يصبح الإنسان بلا مشاعر، وإنما أن يعرف كيف يدير مشاعره بحيث لا تعيق عمله.
الحساسية لا تعني الضعف
أحيانًا يُساء فهم طبيعة المهنة النفسية، فكون الأخصائي مطالبًا بالتعاطف لا يعني أن يكون متساهلًا، وكونه يستمع لا يعني أن يوافق على كل شيء، وكونه يتفهم مشاعر المراجع لا يعني أن يبرر كل سلوك.
التعاطف المهني يعني أن أفهم ما الذي يدفع الإنسان إلى الشعور أو التصرف بهذه الطريقة، دون أن أفقد قدرتي على التقييم المهني ووضع الحدود المناسبة.
وهنا تظهر معادلة دقيقة.. إنسانية دون تسيب، ومهنية دون قسوة.
عندما نتعامل مع الأطفال والمراهقين تزداد حساسية العمل عندما يكون المراجع طفلًا أو مراهقًا.
فالطفل قد لا يمتلك القدرة اللغوية أو النفسية الكافية لوصف ما يشعر به، وقد يظهر القلق أو الخوف أو الحزن في صورة سلوك.
قد يكون الطفل كثير الحركة، أو عدوانيًا، أو منسحبًا، أو رافضًا للتعليمات، وقد يكون السلوك في الحقيقة طريقة غير مباشرة للتعبير عن احتياج أو ضغط أو صعوبة في التواصل.
وهنا لا ينبغي أن يكون السؤال الأول:
كيف نوقف هذا السلوك؟
بل قد يكون السؤال الأهم:
ماذا يحاول هذا السلوك أن يقول لنا؟
هذه النظرة لا تلغي تعديل السلوك، لكنها تجعل التدخل أكثر فهمًا للإنسان الموجود خلف السلوك.
التعامل مع الأشخاص ذوي الإعاقة.. مسؤولية من نوع خاص
إذا كانت الممارسة النفسية حساسة بصورة عامة، فإن التعامل مع الأشخاص ذوي الإعاقة يضيف طبقة أخرى من المسؤولية.
في بعض الحالات، قد لا يستطيع الشخص التعبير عن ألمه أو خوفه أو غضبه بالكلمات.
وقد يصبح السلوك هو اللغة.
طفل يضرب نفسه، أو يضع يده في فمه، أو يرفض الانتقال من مكان إلى آخر، أو يصرخ عند تغيير الروتين، قد لا يكون "عنيدًا" بالمعنى الذي نتصوره.
ربما يحاول أن يخبرنا بشيء.
قد يكون هناك صعوبة في التواصل، أو حساسية حسية، أو تغير مفاجئ في البيئة، أو رغبة في الهروب من موقف غير مفهوم بالنسبة له، أو احتياج لم يجد وسيلة أخرى للتعبير عنه.
وهنا تقع مسؤولية المتخصص في أن يتجاوز الحكم السريع على السلوك، وأن يبحث عن وظيفته وسياقه والعوامل التي تسبقه والنتائج التي تليه.
الشخص ذو الإعاقة ليس تشخيصه من الأخطاء التي يجب أن نحذر منها أن نختزل الشخص في تشخيصه.
فلا ينبغي أن يصبح الطفل في نظرنا "حالة توحد"، أو "حالة إعاقة فكرية"، أو "حالة سلوك عدواني".
قبل كل هذه المسميات هناك إنسان.
له تفضيلاته، وقدراته، ومشاعره، وأشياء يحبها وأشياء لا يحبها، ونقاط قوة قد لا تظهر بسهولة.
وقد تكون لديه قدرة على التعلم والتطور أكبر مما يتوقعه الآخرون.
المهمة المهنية ليست فقط أن نخفض السلوكيات غير المرغوبة، وإنما أن نساعد الشخص على أن يكون أكثر قدرة على التواصل، والاستقلال، والتكيف، والتعبير عن احتياجاته، والاستمتاع بحياته قدر الإمكان.
احترام الكرامة قبل تعديل السلوك
في العمل مع ذوي الإعاقة، يمكن أن ننشغل كثيرًا بالأهداف والبرامج والجداول وقياس السلوك وكل ذلك مهم.
لكن هناك سؤالًا يجب ألا يختفي خلف كل هذه الإجراءات:
هل نحافظ أثناء تدخلنا على كرامة الشخص؟
ليس كل سلوك مزعج يحتاج إلى قمع، وليس كل سلوك غير مألوف يعني بالضرورة أنه يجب إلغاؤه.
نحن بحاجة إلى التمييز بين السلوك الذي يمثل خطرًا حقيقيًا على الشخص أو الآخرين، والسلوك الذي قد يكون وسيلة للتواصل أو التنظيم الذاتي أو التعامل مع البيئة.
وهنا يصبح الهدف ليس "جعل الشخص يبدو طبيعيًا"، وإنما مساعدته على أن يكون أكثر أمانًا وقدرة على التواصل والاستقلال والمشاركة.
الأسرة جزء أساسي من العمل النفسي
في كثير من حالات الإعاقة، لا يعمل الأخصائي مع الفرد وحده.
إنه يعمل أيضًا مع أسرة لديها أسئلة ومخاوف وأحيانًا إرهاق شديد.
والأسرة قد تحتاج إلى أن تفهم أن بعض التغيرات لا تحدث بسرعة، وأن تقدم الطفل لا يقاس دائمًا بالمقارنة مع طفل آخر.
قد يكون الإنجاز الكبير لطفل ما هو أن يستطيع الانتقال إلى الفصل دون نوبة غضب، أو أن يطلب احتياجه بطريقة مناسبة، أو أن ينتظر دوره لبضع دقائق، أو أن يتقبل تغييرًا بسيطًا في الروتين.
أشياء قد تبدو صغيرة من الخارج، لكنها بالنسبة إليه قد تكون خطوات كبيرة.
في النهاية.. المهنة مسؤولية قبل أن تكون مكانة
قد تمنح مهنة الأخصائي والمعالج النفسي صاحبها معرفة واسعة بالسلوك الإنساني، لكنها في المقابل تضع على عاتقه مسؤولية كبيرة.
مسؤولية أن لا يستغل ثقة المراجع.
أن لا يحول التشخيص إلى وصمة.
أن لا يستخدم سلطته المهنية لإصدار أحكام شخصية.
أن يعرف حدود تخصصه.
أن يحترم السرية والخصوصية.
وأن يدرك أن الشخص الذي يجلس أمامه ليس مجرد ملف أو رقم أو تشخيص.
وربما تكون أجمل طريقة لفهم هذه المهنة هي أن نتذكر دائمًا أن الإنسان لا يأتي إلى المتخصص النفسي لأنه يريد أن يسمع حكمًا جديدًا عليه؛ ففي كثير من الأحيان يكون قد أمضى وقتًا طويلًا يحكم فيه على نفسه.
إنه يأتي بحثًا عن مساحة آمنة يستطيع فيها أن يفهم ما يحدث له، وأن يجد طريقة أفضل للتعامل معه.
ولهذا فإن حساسية المهنة ليست عيبًا فيها، بل هي جزء من قيمتها.
فكلما اقتربت مهنتك من الإنسان في أكثر لحظاته ضعفًا، أصبحت مسؤوليتك أكبر.
وفي العمل النفسي، لا يكفي أن نعرف ماذا نفعل؛ الأهم أن نعرف كيف نفعله، ولماذا نفعله، ومتى يجب أن نتوقف، وكيف نحافظ طوال الطريق على إنسانية الشخص الذي جاء يطلب مساعدتنا.