هل يستطيع التحفيز المغناطيسي تغيير مستقبل العلاج النفسي؟

الخط:
معرفة الجمهورية الثانيةسياق موثّق من الأرشيف والمصادر المعتمدة
النفسي - عمار ياسر
النفسي - عمار ياسر

بقلم: عمار ياسر 

لطالما ارتبط العلاج النفسي في أذهان الكثيرين بصورة المريض الذي يجلس أمام الأخصائي النفسي، ويتحدث عن مخاوفه وأفكاره ومشكلاته، محاولًا فهم ما يمر به والتخلص من معاناته. وعلى مدار عقود، تطورت أساليب العلاج النفسي، وظهرت مدارس واتجاهات علاجية متعددة أسهمت في تحسين حياة ملايين الأشخاص.

لكن مع التقدم المتسارع في علوم الأعصاب، بدأ سؤال جديد يفرض نفسه: هل يمكننا مساعدة الإنسان على تجاوز معاناته النفسية من خلال التأثير المباشر في نشاط الدماغ، إلى جانب العمل على أفكاره ومشاعره وسلوكياته؟

لم يعد هذا السؤال مجرد تصور للمستقبل، بل أصبح موضوعًا لأبحاث علمية وتجارب سريرية تسعى إلى فهم العلاقة بين النشاط العصبي والاضطرابات النفسية، وفي مقدمتها الاكتئاب.

إنجاز بحثي مصري يفتح آفاقًا جديدة للعلاج النفسي

في السابع من أكتوبر 2026، نُشرت دراسة علمية لافتة في مجلة Archives of Suicide Research، تناولت استخدام التحفيز المغناطيسي المتسارع للدماغ في الحد من الأفكار والسلوكيات الانتحارية لدى مرضى الاكتئاب أحادي القطب وثنائي القطب.

ويأتي هذا العمل في سياق الاهتمام البحثي بتطوير علاجات نفسية وعصبية أكثر سرعة وفاعلية، وهو مجال يكتسب أهمية خاصة في الجامعات المصرية، ومنها جامعة الزقازيق، التي يمثل نشاطها البحثي في الطب النفسي أحد المسارات المهمة لتطوير المعرفة والممارسة الإكلينيكية.

وحملت الدراسة عنوان:

باللغة الإنجليزية:

Rapid and Robust Reduction of Suicidal Ideation and Behavior with Accelerated Theta Burst in Unipolar and Bipolar Depression

وترجمته إلى العربية:

«انخفاض سريع وملحوظ في الأفكار والسلوكيات الانتحارية باستخدام التحفيز المغناطيسي المتسارع بنمط ثيتا لدى مرضى الاكتئاب أحادي القطب وثنائي القطب».

شارك في إعداد الدراسة سبعة باحثين، وفقًا للترتيب الوارد في السجل العلمي:

1. الأستاذ الدكتور مدحت بسيوني (Medhat M. Bassiony).

2. علاء زايد (Alaa Zayed).

3. أسامة يوسف (Usama Yousef).

4. غادة صلاح الدين (Ghada Salah El-Deen).

5. هيام الجوهري (Hayam El-Gohary).

6. محمد سهلو (Mohamed Sehlo).

7. علاء أشرف (Alaa Ashraf).

وتكمن أهمية هذا العمل في تناوله إحدى أكثر المشكلات تعقيدًا في الطب النفسي، وهي الأفكار والسلوكيات الانتحارية المصاحبة للاكتئاب، لا سيما أن بعض المرضى لا يحققون استجابة كافية للعلاجات التقليدية، أو يحتاجون إلى تدخل أسرع بسبب شدة معاناتهم.

وقد أكمل 34 مريضًا البروتوكول العلاجي المكثف، الذي استمر خمسة أيام، بواقع 17 مريضًا يعانون من الاكتئاب أحادي القطب، و17 مريضًا يعانون من الاكتئاب ثنائي القطب.

وأظهرت النتائج أن نسبة الاستجابة فيما يتعلق بالأفكار الانتحارية بلغت 97.1%، بينما وصلت نسبة الهدأة إلى 73.5% بنهاية العلاج، مع استمرار قدر من التحسن خلال فترة متابعة امتدت إلى شهر.

ورغم أن هذه النتائج لا تكفي وحدها لإثبات فاعلية العلاج لدى جميع المرضى، فإنها تمثل إضافة بحثية تستحق الاهتمام، وتؤكد أهمية مواصلة الاستثمار في الأبحاث الإكلينيكية التي تبحث عن حلول جديدة للمعاناة النفسية.

وما يستحق التقدير هنا ليس الأرقام وحدها، بل أيضًا الجهد العلمي المبذول في دراسة تدخل علاجي قد يسهم مستقبلًا في توسيع الخيارات المتاحة أمام الأطباء والأخصائيين النفسيين.

كيف يمكن للمجال المغناطيسي أن يؤثر في الحالة النفسية؟

يعتمد التحفيز المغناطيسي عبر الجمجمة على استخدام نبضات مغناطيسية تستهدف مناطق محددة من الدماغ، بهدف التأثير في نشاط الشبكات العصبية المرتبطة بوظائف مثل تنظيم المزاج والانفعالات.

ومن بين التقنيات المستخدمة ما يُعرف بالتحفيز المتقطع بنمط ثيتا (iTBS)، وهو أحد أنماط التحفيز المغناطيسي الذي يمكن تقديمه وفق بروتوكولات مختلفة، يعتمد بعضها على تكثيف الجلسات خلال فترة زمنية قصيرة.

ولفهم أهمية هذه التقنية، علينا أن ندرك أن الاضطرابات النفسية لا يمكن اختزالها في أفكار سلبية أو ظروف اجتماعية صعبة، كما لا يمكن اختزالها في خلل عصبي منفصل عن حياة الإنسان.

فالشخص المصاب بالاكتئاب، على سبيل المثال، قد يعاني من تغيرات في النوم والطاقة والانتباه والدافعية والقدرة على الاستمتاع بالحياة، إلى جانب الأفكار السلبية والشعور بفقدان القيمة أو المعنى. وتتداخل في هذه المعاناة عوامل نفسية وعصبية واجتماعية وبيولوجية متعددة.

ومن هنا تظهر أهمية التقنيات الحديثة، لا باعتبارها بديلًا عن العلاج النفسي، بل بوصفها أحد التدخلات الطبية التي قد تساعد بعض المرضى ضمن خطة علاجية متكاملة.

هل يمكن أن يتغير السلوك عندما يتغير نشاط الدماغ؟

من الأسئلة التي تستحق التأمل في علم النفس سؤال العلاقة بين الدماغ والسلوك الإنساني.

فنحن نعلم أن التفكير والانفعال والتعلم واتخاذ القرار ترتبط جميعها بنشاط شبكات عصبية معقدة. ونعلم أيضًا أن الخبرات النفسية وعمليات التعلم والعلاج النفسي قد تصاحبها تغيرات في طريقة عمل هذه الشبكات.

لكن هل يعني ذلك أن التأثير في النشاط العصبي سيؤدي تلقائيًا إلى تغيير السلوك؟

الإجابة ليست بهذه البساطة.

فقد يسهم تحسن الحالة المزاجية لدى شخص يعاني من الاكتئاب في زيادة قدرته على المشاركة في الأنشطة اليومية، والتفاعل الاجتماعي، والاستفادة من الجلسات النفسية. لكن هذا لا يعني أن التحفيز المغناطيسي قادر بمفرده على تغيير أنماط التفكير، أو إكساب الشخص المهارات الاجتماعية، أو معالجة الخبرات الصادمة.

وهنا تبرز قيمة التكامل بين التدخلات الطبية والعلاج النفسي، بحيث يُنظر إلى الإنسان باعتباره كيانًا متكاملًا، لا مجرد مجموعة من الأعراض أو الدوائر العصبية.

ماذا عن الأشخاص ذوي الإعاقة؟

عندما ننتقل إلى مجال التأهيل النفسي والسلوكي للأشخاص ذوي الإعاقة، يصبح النقاش أكثر تعقيدًا وأهمية.

فالأشخاص ذوو اضطراب طيف التوحد أو الإعاقة الذهنية قد يعانون من اضطرابات نفسية مصاحبة، مثل الاكتئاب والقلق واضطرابات النوم. وقد يصعب أحيانًا التعرف على هذه المشكلات، خصوصًا لدى الأشخاص الذين لديهم محدودية في التواصل اللفظي.

وقد تظهر المعاناة النفسية في صورة انسحاب اجتماعي، أو تغير مفاجئ في السلوك، أو تراجع في المشاركة في الأنشطة، أو زيادة في السلوكيات المؤذية للذات.

ومع ذلك، لا ينبغي اعتبار هذه السلوكيات دليلًا مباشرًا على وجود اضطراب نفسي؛ فقد ترتبط بالألم، أو الظروف البيئية، أو صعوبات التواصل، أو أسباب طبية أخرى.

وهنا يمكن أن تسهم التطورات في علوم الأعصاب في فتح مجالات بحثية جديدة لفهم الاضطرابات النفسية المصاحبة للإعاقة، ودراسة التدخلات المناسبة لها.

وقد تناولت بعض الدراسات الأولية استخدام التحفيز المغناطيسي لدى بالغين من ذوي اضطراب طيف التوحد يعانون من الاكتئاب، وأظهرت نتائج تستحق مزيدًا من البحث.

لكن من الضروري التأكيد على أن هذه الدراسات لا تعني أن التحفيز المغناطيسي أصبح علاجًا مثبتًا للتوحد أو الإعاقة الذهنية، أو أنه قادر على تحسين الانتباه والتواصل وتعديل السلوك لدى جميع الأشخاص ذوي الإعاقة.

فالفرق كبير بين علاج اضطراب نفسي مصاحب للإعاقة، والادعاء بإمكانية علاج الإعاقة نفسها.

هل سيتغير دور الأخصائي النفسي؟

أعتقد أن السؤال الأهم لا يتعلق بما إذا كانت التكنولوجيا ستحل محل الأخصائي النفسي، بل بكيفية تطور دوره في ظل هذا التقدم.

فكلما تطورت التدخلات العصبية والطبية، ازدادت الحاجة إلى أخصائي نفسي يمتلك القدرة على التقييم الدقيق، وفهم السلوك الإنساني، والتعامل مع العوامل النفسية والاجتماعية المؤثرة في الحالة.

فقد يسهم الجهاز في تعديل نشاط بعض الشبكات العصبية، لكنه لا يستطيع بمفرده مساعدة الإنسان على إعادة بناء علاقاته، أو اكتساب مهارات مواجهة الضغوط، أو فهم تجاربه المؤلمة، أو استعادة ثقته بنفسه.

وفي مجال التأهيل، تظل الحاجة قائمة إلى تحليل السلوك، وتطوير مهارات التواصل، ودعم الاستقلالية، والعمل مع الأسرة، ومساعدة الشخص على تحقيق أفضل مستوى ممكن من جودة الحياة.

وقد يصبح التعاون بين الأخصائي النفسي والطبيب النفسي والمتخصص في علوم الأعصاب وفريق التأهيل أحد أهم ملامح الممارسة العلاجية خلال السنوات المقبلة.

ولا يعني ذلك أن الأخصائي النفسي مطالب بتشغيل أجهزة التحفيز المغناطيسي؛ فهذا إجراء طبي يتطلب تأهيلًا وترخيصًا وإشرافًا متخصصًا. وإنما يتمثل دوره في التقييم النفسي، وتقديم التدخل العلاجي ضمن نطاق اختصاصه، ومتابعة النتائج، والمشاركة في تقديم رعاية متكاملة.

بين الأمل العلمي والمبالغة العلاجية

من الطبيعي أن تثير الاكتشافات الحديثة قدرًا من التفاؤل، خصوصًا عندما تتعلق بأشخاص يعانون من اضطرابات نفسية شديدة أو مزمنة.

لكن من مسؤوليتنا المهنية ألا نسمح للحماس العلمي بأن يتحول إلى وعود علاجية غير واقعية.

فالتحفيز المغناطيسي ليس مناسبًا لجميع المرضى، ولا يمكن اعتبار النتائج الإيجابية لدراسة واحدة ضمانًا لنجاح العلاج في كل حالة. كما أن استمرار البحث في استخدامه لعلاج بعض الاضطرابات لا يعني بالضرورة ثبوت فاعليته في علاجها.

ومن المهم أيضًا أن نفرق بين انخفاض الأفكار الانتحارية وانتهاء خطر الانتحار؛ فالأول قد يكون مؤشرًا على تحسن الحالة النفسية، بينما يتطلب تقدير خطر الانتحار تقييمًا شاملًا ومتابعة مستمرة للعوامل المرتبطة به.

إن التقدم الحقيقي في الصحة النفسية لا يُقاس فقط بظهور جهاز جديد أو تقنية أكثر تطورًا، بل بمدى قدرتنا على توظيف المعرفة العلمية لتحسين حياة الإنسان، وتقليل معاناته، والحفاظ على كرامته وسلامته.

مستقبل العلاج النفسي... هل نحن أمام مرحلة مختلفة؟

ربما لن يكون مستقبل العلاج النفسي قائمًا على المفاضلة بين الجلسة النفسية والتدخل العصبي، بل على فهم أعمق للعلاقة بينهما.

فقد نشهد توسعًا في استخدام التقنيات العصبية لعلاج حالات محددة، بالتوازي مع تطوير أساليب العلاج النفسي والتأهيل السلوكي، وتحسين أدوات التقييم والمتابعة.

ومع ذلك، سيظل الإنسان أكثر تعقيدًا من أن يُختزل في نشاط منطقة واحدة من الدماغ، وستظل خبراته وعلاقاته وبيئته وتاريخه الشخصي عناصر أساسية في فهم معاناته النفسية.

إن السؤال لم يعد فقط: هل نستطيع التأثير في نشاط الدماغ؟ بل أصبح: كيف يمكننا تحويل هذا التأثير إلى تحسن حقيقي ومستدام في حياة الإنسان؟

ومن وجهة نظري، فإن مستقبل العلاج النفسي لن تصنعه التكنولوجيا وحدها، ولن تصنعه النظريات النفسية بمعزل عن علوم الأعصاب، بل سيصنعه التكامل الواعي بين العلم والخبرة الإنسانية والممارسة المهنية المسؤولة.

وإذا كانت الأبحاث الحديثة، ومنها هذا العمل البحثي، قد فتحت نافذة جديدة للأمل، فإن مسؤوليتنا بوصفنا متخصصين هي الحفاظ على هذا الأمل دون مبالغة، ومنح كل اكتشاف حجمه العلمي الحقيقي.

فقد نستطيع يومًا ما تقليص زمن الاستجابة لبعض العلاجات، لكن القيمة الحقيقية ستظل في قدرتنا على مساعدة الإنسان على استعادة قدرته على الحياة، لا في الاكتفاء بتسجيل انخفاض الأعراض على مقياس نفسي.

المرجع العلمي الرئيسي

Bassiony, M. M., Zayed, A., Yousef, U., Salah El-Deen, G., El-Gohary, H., Sehlo, M., & Ashraf, A. (2026).

عنوان الدراسة باللغة الإنجليزية:

Rapid and Robust Reduction of Suicidal Ideation and Behavior with Accelerated Theta Burst in Unipolar and Bipolar Depression.

عنوان الدراسة باللغة العربية:

«انخفاض سريع وملحوظ في الأفكار والسلوكيات الانتحارية باستخدام التحفيز المغناطيسي المتسارع بنمط ثيتا لدى مرضى الاكتئاب أحادي القطب وثنائي القطب».

المجلة العلمية: Archives of Suicide Research

رابط الدراسة العلمية الأصلية:

https://www.tandfonline.com/doi/full/10.1080/13811118.2026.2743267

W
بقلم: Writer

↑