إعداد: رحمة حمدي
في خطوة تعتبر مزيج من طموح جيوسياسي، ومصالح اقتصادية، ورسائل انتخابية، وضغط تفاوضي في آن واحد، كشفت مصادر مطلعة لوكالة رويترز أن الولايات المتحدة تعتزم افتتاح قاعدتين عسكريتين جديدتين في جرينلاند، في خطوة تعكس تصاعد الاهتمام الاستراتيجي بالمنطقة القطبية الشمالية. وأوضح شخصان مطلعان أن الموقعين المقرر إنشاؤهما هما نارسارسواك، التي تقلص عدد سكانها إلى بضع عشرات من الأشخاص منذ أن أغلقت الولايات المتحدة قاعدتها العسكرية بلو ويست وان في خمسينيات القرن الماضي، وميسترسفيج، وهو موقع عسكري تستخدمه دورية زلاجات الكلاب سيريوس التابعة لوحدة القوات الخاصة الدنماركية.
ومن المتوقع أنه تم توقيع الاتفاقية الجديدة بين الدنمارك وجرينلاند والولايات المتحدة في مقر الجمعية العامة للأمم المتحدة بمدينة نيويورك فى الرابعة عشرة والنصف بتوقيت جرينتش، اليوم الثلاثاء. ولم يتم حتى الآن نشر نص الاتفاقية، فيما أفاد ثلاثة أشخاص مطلعين على الصفقة، تحدثوا شريطة عدم الكشف عن هويتهم، بأن تفاصيل الاتفاقية لن تُوضع في صيغتها النهائية إلا عند لحظة التوقيع.
ولم تصدر حكومتا الدنمارك جرينلاند أي رد فوري على طلب وكالة رويترز للتعليق حتى الآن.
وذكرت رويترز أن متحدثا باسم البيت الأبيض امتنع عن الإدلاء بأي تعليق على تفاصيل الاتفاقية، مكتفيا بتكرار بيان سابق جاء فيه أن توقيع الاتفاقية يوم الثلاثاء من شأنه أن يؤمن ويحمي أمن جرينلاند والولايات المتحدة معا.
وتؤكد الدنمارك أن الاتفاقية تضع قضايا الأمن في منطقة القطب الشمالي تحت إشراف منظمة حلف شمال الأطلسي، وهو التحالف الدفاعي العسكري، بدلا من تركها محصورة في إطار ثنائي بين الولايات المتحدة والدنمارك فقط.
وتأتي هذه الصفقة بعد أشهر من الضغوط التي مارسها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب، الذي لطالما أعلن صراحة عن رغبته في أن تسيطر الولايات المتحدة على جرينلاند، ورفض في بعض الأحيان استبعاد استخدام القوة العسكرية أو الضغط الاقتصادي للاستحواذ على هذه المنطقة الدنماركية شبه المستقلة. وقد أظهرت استطلاعات الرأي رفضا قاطعا من غالبية سكان جرينلاند لهذه الفكرة.
وقد أدت تهديدات ترامب، التي بلغت ذروتها في شهر يناير، إلى أزمة دبلوماسية داخل حلف شمال الأطلسي، ودفعت الدنمارك وجرينلاند إلى الدخول في مفاوضات مع واشنطن تهدف إلى تخفيف حدة الضغط.
وخلال فترة الحرب الباردة، احتفظت الولايات المتحدة بسبع عشرة منشأة عسكرية وأكثر من عشرة آلاف فرد في جرينلاند. أما اليوم، فلم يتبق سوى قاعدة بيتوفيك الفضائية، التي تضم حوالي 150 فردا من العسكريين الأمريكيين.
تقع جرينلاند بين أمريكا الشمالية وأوروبا، وتتحكم في ممرات بحرية قطبية تزداد أهميتها مع ذوبان الجليد. من يسيطر عليها يمتلك نقطة مراقبة واستجابة عسكرية متقدمة في القطب الشمالي.
كما أن الجزيرة غنية بمعادن نادرة وموارد طاقة ومسارات تجارية جديدة، وهي عناصر حيوية في التنافس الاقتصادي العالمي.
يعتقد المحللون أن هذه الخطوة تأتي لمواجهة النفوذ الروسي والصيني، فبعد توسع روسيا عسكريا في القطب الشمالي، والصين تحاول حضورا اقتصاديا هناك عبر استثمارات، جعل واشنطن ترى في السيطرة على جرينلاند تحصينا ضد هذه القوى.
والبعض الآخر يرى أنها مجرد حسابات سياسية داخلية
فترامب يعرض نفسه دائما كصانع صفقات قوية تحمي المصالح الأمريكية، وهو خطاب يلقى صدى لدى قاعدته الانتخابية.
التهديدات السابقة قد تكون ورقة ضغط لكسب تنازلات أمنية واقتصادية دون الحاجة فعليا للاستحواذ الكامل على الجزيرة. ونقل الإشراف الأمني إلى الناتو يخفف حساسية الدنمارك وجرينلاند، لكنه يبقي الوجود الأمريكي الفعلي ويوسعه، ويعيد رسم خريطة الناتو.