ما كان يُفترض أن يعني “التعليم المجاني” بات يُترجم في الواقع إلى تكلفة مالية واجتماعية ونفسية هائلة تفرض على الأسرة المصرية أن تدفع ثمن التعليم في مكان آخر غير المدرسة.
التعليم العام مُعلن أنه مجاني، لكن الواقع يخبرنا قصة مختلفة تمامًا. ما يفترض أن يكون حقًا دستوريًا لكل طفل — وهو التعلم في المدرسة — تحول إلى شكلين من التعليم، تعليم رسمي محدود الإمكانات وتعليم موازي مدفوع الثمن هو الدروس الخصوصية. في هذا الواقع، يعتمد معظم الطلاب على الدروس خارج المدرسة، حتى أصبحت جزءًا لا يتجزأ من منظومة التعليم نفسها.
إذا كانت المدرسة الحكومية هي الإطار الرسمي لتلقي التعليم، فإن مراكز الدروس الخصوصية والساعات الطويلة التي يقضيها الطلاب فيها أصبحت العامل الحاسم في تحديد نتائجهم ومستقبلهم الدراسي. غير أن هذا النمط التعليمي يفرض كلفة مرتفعة، لا تقتصر على الأعباء المادية، بل تمتد إلى زيادة التوتر والضغوط النفسية والاجتماعية داخل الأسرة والمجتمع.
إحصاءات صادمة.. حجم الإنفاق وتأثيره على الأسر
تشير التقديرات إلى أن الأسر المصرية تنفق مليارات الجنيهات سنويًا على الدروس الخصوصية. وفق تصريحات رسمية وردت أمام مجلس النواب، بلغ حجم فاتورة الدروس الخصوصية في العام الدراسي الأخير نحو 47 مليار جنيه سنويًا، وهو رقم يكشف العبء الكبير الذي تتحمله الأسر خارج نطاق الميزانية الحكومية للتعليم.
وفي إحصائية أخرى من بيانات الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، قُدِّر إجمالي مصروفات الأسر على الدروس الخصوصية في عام واحد بنحو 247 مليار جنيه، وهو رقم يعكس حجم الإنفاق الضخم على التعليم الموازي رغم كونه غير مدرج رسميًا في الإنفاق الحكومي على التعليم.
كما أظهرت تقارير تحليلية أن كثيرًا من الأسر تنفق ما يعادل نحو 50% من ميزانيتها الأسرية على الدروس الخصوصية، وهو ما يشير إلى أن “التعليم المجاني” تتحول تكلفته الحقيقية إلى عبء على الفقراء ومتوسطي الدخل بنفس القدر.
وفي تقديرات سابقة كذلك، أفاد الجهاز المركزي بأن الأسرة الواحدة تُنفق ممبلغ يتراوح ما بين 9500 جنيه سنويا إلى 10000 الاف جنيه سنويًا فقط على الدروس الخصوصية، وهو رقم قد يبدو صغيرًا في بعض الحالات لكنه يتراكم لسنوات ويشكّل ضغطًا حقيقيًا على دخل الأسرة.
وعن الأسعار الدقيقة في السوق، فإن تكلفة الحصة الواحدة من الدروس الخصوصية في الثانوية العامة تتراوح من 100 إلى 500 جنيه حسب المادة وعدد الطلاب وموقع المركز، وقد تصل الأسعار إلى أكثر من ذلك في مواد اللغات والعلوم.
مقارنة بين إنفاق الأسر على التعليم الرسمي مقابل الدروس الخصوصية
رغم أن التعليم الحكومي في مصر يُصنَّف رسميًا في إطار “التعليم المجاني”، فإن الواقع الاقتصادي للأسر يكشف فجوة كبيرة بين ما يُفترض أن تقدمه المدرسة وما تتحمله الأسرة فعليًا من تكاليف خارجها. فبينما يقتصر الإنفاق الرسمي في المدارس الحكومية غالبًا على المصروفات الرمزية والكتب والزي المدرسي وبعض الأدوات الأساسية، يتضاعف العبء المالي بشكل كبير مع انتشار الدروس الخصوصية التي أصبحت تمثل الجزء الأكبر من تكلفة التعليم. وتشير تقديرات وتصريحات رسمية إلى أن فاتورة الدروس الخصوصية وحدها تصل إلى نحو 47 مليار جنيه سنويًا، بل تذهب بعض البيانات إلى أرقام أعلى بكثير، ما يعكس أن الأسر المصرية باتت تنفق على “التعليم الموازي” أضعاف ما تنفقه على التعليم الرسمي نفسه.
وبهذا، يتحول التعليم من حق عام توفره الدولة داخل المدرسة إلى خدمة مدفوعة خارجها، مما يخلق تفاوتًا واضحًا بين الطلاب وفق القدرة الاقتصادية لأسرهم، ويجعل النجاح الدراسي في كثير من الأحيان مرتبطًا بالإنفاق أكثر من ارتباطه بجودة التعليم المدرسي.
لماذا يلجأ الطلاب إلى الدروس الخصوصية؟
رغم أن التعليم في مصر تقنيًا مجاني في المدارس الحكومية، إلا أن الاعتماد على الدروس الخصوصية أصبح “ضروريًا” لعدة أسباب
الفصول المزدحمة وضعف التواصل الفردي داخل المدرسة جعل الطلاب غير قادرين على الفهم الكامل للمحتوى الدراسي.
الامتحانات النهائية عالية الضغط وخاصة في الثانوية العامة تجعل الكثير من الأسر تلجأ للأدوات الإضافية لضمان النجاح.
الثقة المنخفضة في جودة التعليم العام دفعت الأسر إلى التعويض في الخارج عبر الدروس.
وهذه العوامل جعلت الدروس الخصوصية ليست مجرد خيار إضافي، بل جزءًا من نظام التعليم الفعلي في مصر رغم أنها ليست جزءًا رسميًا منه.
قصص واقعية من قلب الأسر المصرية
ميادة علاء — طالبة في الصف الثالث الثانوي — تقول: “من أولى ثانوي وأنا أذهب للسنتر كل أسبوع. المدرسة لا تكفي، والمذاكرة مع المدرسين الخصوصيين أصبحت جزءًا من يومي.
حتى لو أخبرت والدتي أنني سأرتاح، أشعر أنني لا أستطيع أن أستغنى عنها.”
أم محمد — موظفة وأم لثلاثة طلاب — تقول: “كنت أفكر أن التعليم المجاني هو ما سمعناه منذ الصغر، لكن حين بدأت أدفع للدروس الخصوصية، اكتشفت أن الميزانية الشهرية صارت مُقسَّمة بين الطعام والإيجار، وثلثها تقريبًا يذهب للسناتر والمذاكرات.”
أحمد — مدرس في مدرسة حكومية — يعترف: “هناك ضغط من الطلاب وأولياء الأمور لأننا لا نستطيع أن نشرح كل شيء في الفصل. غالبًا يُتوقع أن أشرح خارج المدرسة مقابل أجر إضافي!” هذه ظاهرة يراها كثير من المعلمين مرتبطة بالنظام التعليمي نفسه.
آثار التعليم الموازي على المجتمع
هذه الظاهرة لا تؤثر فقط على ميزانيات الأسر، بل تمتد إلى المجتمع كله وأدت إلى
زيادة الفجوة بين الأغنياء والفقراء، الأسر ذات الدخل الأعلى قادرة على دفع المزيد من الدروس، مما يعطي أبنائها ميزة أكبر في الامتحانات.
ضعف دور المدرسة الرسمية، الكثير من الطلاب يتغيبون عن المدرسة بانتظام لأن مدرس الدروس الخصوصية يعتبر المصدر الأساسي للفهم.
ضغط نفسي كبير على الطلاب مع التنافس المكثف والتركيز على الامتحانات بدل التعلم الحقيقي.
ماذا عن الحلول؟
تحاول الدولة اتخاذ بعض الخطوات مواجهة الظاهرة عن طريق:
إدخال مجموعات تقوية مدرسية داخل نظام المدرسة الحكومية.
تطوير نظام التقييم في الثانوية العامة.
تحسين جودة التعليم الرسمي.
لكن الخبراء التربويين يرون أن الحل لا يكمن في إجراءات جزئية، بل في إصلاح شامل يبدأ من تحسين جودة التدريس في الفصل وتقلي
ل الاعتماد على الحفظ والتركيز على الفهم الحقيقي أولًا.