Friday, 2026-06-05

حين يصبح "التحسن" نفسه محل سؤال

الخط:
مشاركة:
المواطن - شحاتة زكريا
المواطن - شحاتة زكريا

بقلم: شحاتة زكريا

أحيانا لا تكون المشكلة في غياب التغيير بل في طريقة إدراكه. وفي لحظات التحولات الكبرى يحدث شيء أكثر تعقيدا من مجرد جدل حول الإنجاز أو النقد إذ يبدأ الناس في طرح سؤال غير مباشر لكنه شديد الدلالة: هل نحن فعلا في حالة تحسن؟ هذا السؤال لا يُطرح في المؤتمرات ولا في التقارير الرسمية بل يولد في الشارع، وفي المواصلات، وأمام منافذ الخدمات وفي لحظة مقارنة صامتة بين ما كان وما هو كائن وما يجب أن يكون.. في مصر اليوم هناك حركة واضحة لا يمكن إنكارها. مشروعات كبرى تنجز وبنية تحتية تتغير ومدن جديدة تبنى وشبكات طرق ومرافق تعاد صياغتها على نطاق واسع. وهذا مستوى من التحول لا يحدث كثيرا في عمر الدول ولا يمكن اختزاله أو تجاوزه في أي قراءة منصفة للواقع.. لكن في الجهة الأخرى هناك حياة يومية لا تتحرك دائما بنفس الإيقاع. حياة تقاس فيها التفاصيل الصغيرة: سعر سلعة، وتكلفة خدمة، ووقت انتظار، وجودة معاملة، وإحساس عام بالقدرة على التكيف مع الضغوط. وهنا تبدأ المسافة بين ما يحدث وما يُحس.

المعضلة ليست في وجود هذه المسافة بل في طبيعتها. فكل عملية تحول كبرى في أي مجتمع تخلق بالضرورة فجوة زمنية بين البناء والأثر. الدولة تبني أولا ثم ينتقل الأثر تدريجيا إلى الحياة اليومية. لكن المواطن لا يعيش في المستقبل بل في الحاضر ولا يتعامل مع الوعود بقدر ما يتعامل مع النتائج المباشرة.. وهنا يحدث الاختبار الحقيقي لأي عملية تطوير: ليس في حجم ما تم إنجازه بل في سرعة انتقال هذا الإنجاز من مستوى المشهد العام إلى مستوى التجربة اليومية.. في لحظات كهذه يصبح الإحساس العام أكثر حساسية من الأرقام. فالمواطن لا يناقش المؤشرات الاقتصادية بقدر ما يناقش قدرته على الحياة نفسها: هل أصبحت أسهل؟ هل أصبحت أقل ضغطا؟ هل أصبح اليوم العادي أقل تكلفة في الجهد والمال والوقت؟ وفي المقابل لا يمكن تجاهل أن إعادة بناء الدول ليست عملية فورية. فالمشروعات الكبرى ليست مجرد إضافة عمرانية بل هي تأسيس لقاعدة اقتصادية وخدمية تحتاج إلى وقت حتى تنتج أثرها الكامل. وهذا ما يجعل الحكم السريع على النتائج غير دقيق أحيانا لكنه يجعل الصبر المجتمعي عنصرا مهما في أي تجربة تنموية.. لكن الأخطر من الفجوة الزمنية هو الفجوة الإدراكية أي الفارق بين ما ينجز فعليا على الأرض وبين ما يصل إلى وعي المواطن كتحسن ملموس. فحين تتسع هذه الفجوة يصبح الإنجاز موجودا لكنه غير محسوس بالقدر الكافي وتصبح الجهود كبيرة لكن أثرها الاجتماعي أقل مما تستحق.. وهنا يدخل عامل جديد على الخط وهو تغير توقعات الناس أنفسهم. فالمجتمع لم يعد كما كان قبل سنوات. الوعي أعلى والمقارنة أسهل وسرعة انتقال المعلومة أصبحت لحظية. فبضغطة زر يستطيع المواطن أن يقارن بين تجربته وتجارب أخرى في أماكن مختلفة من العالم. ولذلك لم تعد معايير التقييم كما كانت وأصبح ما كان يعتبر تحسنا واضحا في السابق يقاس اليوم بمعايير أكثر دقة وتفصيلا.

كما أن وسائل التواصل الاجتماعي لعبت دورا مهما في إعادة تشكيل مفهوم التحسن ذاته. فالمواطن لم يعد يقارن حاضره بماضيه فقط بل يقارن واقعه يوميا بصور وتجارب ومشاهد تأتيه من كل اتجاه. وهو ما رفع سقف التوقعات وجعل الإحساس بالتقدم أكثر ارتباطا بسرعة تحقيق النتائج المباشرة لا بمجرد وجودها على المدى الطويل.. وفي هذا السياق يصبح التحدي الحقيقي أمام أي مشروع تنموي ليس فقط تحقيق الإنجاز بل تحويل هذا الإنجاز إلى شعور عام يلمسه الناس في تفاصيل حياتهم اليومية. فالمجتمعات لا تعيش بالمؤشرات وحدها كما أنها لا تبني مستقبلها بالانطباعات وحدها. النجاح الحقيقي يكمن في القدرة على تقليص المسافة بين الواقع الفعلي والإدراك المجتمعي لهذا الواقع.. وفي النهاية لا توجد معادلة بسيطة. لا الدولة تستطيع أن توقف حركة البناء حتى يلحقها الإحساس العام ولا المجتمع يستطيع أن ينتظر بلا حدود حتى تكتمل الصورة. نحن أمام مسار واحد يتحرك بسرعتين مختلفتين سرعة الإنجاز وسرعة الإحساس به.. والحقيقة أن المجتمعات لا تقاس فقط بما تنجزه من مشروعات بل أيضا بقدرتها على تحويل هذه الإنجازات إلى جودة حياة يشعر بها المواطن في يومه العادي. فعندما يلتقي ما تراه الدولة على الخرائط بما يراه المواطن في تفاصيل حياته يتحول التحسن من رقم في تقرير إلى واقع معاش ومن مشروع على الورق إلى شعور عام في الشارع.

ويبقى السؤال الذي لا يغيب عن أي قراءة جادة للواقع:

كيف يمكن أن يصبح "التحسن" نفسه إحساسا مشتركا بين الدولة والمجتمع لا مجرد حقيقة تؤكدها الأرقام؟

W
بقلم: Writer

كاتب ومحرر في بوابة الجمهورية الثانية.