بقلم: محمد شكري
لعلَّ من أعجب مفارقات هذا العصر أن الإنسان لم يسبق له أن امتلك من الوسائل ما ييسِّر حياته كما يمتلك اليوم، ومع ذلك، لم يسبق له أن احتاج إلى هذا القدر من الأسئلة ليعرف لماذا يعيشها. لقد فُتحت أمامه أبواب كانت مغلقة، واقتربت منه أشياء كانت بعيدة المنال، وتكاثرت بين يديه أسباب الراحة والاتصال والمعرفة. غير أن شيئًا في أعماقه ظل يستعصي على الامتلاء، كأنما اتسعت الدنيا من حوله، بينما بقيت في روحه مساحة لا تبلغها الأشياء.
والمفارقة ليست في أن نملك كثيرًا، بل في أن نظل، بعد كل ما نملك، نفتش عن شيء لا يقع تحت أيدينا؛ أن نختصر المسافات ثم نشكو البعد، ونراكم المعلومات ثم نتحير أمام أبسط أسئلة الوجود، ونبلغ من أسباب الراحة ما لم يكن متاحًا لمن سبقونا، ثم نكتشف أن الراحة ليست مرادفًا للسكينة، وأن امتلاء اليدين لا يضمن امتلاء القلب.
وليس من الإنصاف أن ننكر ما أحرزه الإنسان من تقدم، أو أن نتحسر على ماضٍ لم يكن، في حقيقته، أقل قسوة في كل شيء؛ فلكل عصر محاسنه ومآسيه، ولكل مرحلة من مراحل الحضارة ما تفتحه من آفاق وما تتركه من أسئلة. غير أن ما يستحق التأمل في زماننا هو تلك المسافة التي أخذت تتسع بين ما نملكه وما نحتاج إليه حقًّا، وبين القدرة على تحصيل الأشياء والقدرة على الانتفاع بها، وبين وفرة الوسائل ووضوح الغايات.
لقد أحسنا، إلى حد بعيد، تدبير شؤون الحياة، لكننا لم نحسن بالقدر نفسه الإجابة عن سؤال الغاية منها؛ وكأننا، في غمرة انشغالنا بتحسين شروط العيش، نسينا أن نسأل أنفسنا عن الحياة التي نريد أن نعيشها داخل تلك الشروط.
لقد أصبحنا نعيش في عالم تتكاثر فيه الأشياء حتى تكاد تزاحم المعاني والغايات، وتتعدد فيه الخيارات حتى يعجز المرء أحيانًا عن اختيار ما يستحق أن يمنحه عمره. لم تعد الرغبات تنشأ كلها من حاجاتنا الحقيقية، بل أصبح كثير منها يُستثار فينا كل يوم؛ نرى ما يملكه الآخرون فنشتهي امتلاكه، ونشهد ما يحققونه فنستعجل اللحاق بهم، ثم لا نلبث أن ننسى ما كنا نريده بالأمس، لأن رغبة جديدة استيقظت فينا، أو لأن شيئًا آخر استولى على انتباهنا.
وهكذا تتحول الحياة، من حيث لا نشعر، إلى سلسلة متصلة من المطالب التي لا تنتهي، ويغدو الإنسان كمن يركض وراء أفق يبتعد كلما اقترب منه؛ فلا هو استراح إلى ما نال، ولا هو اطمأن إلى ما بقي له.
والمشكلة أن الإنسان، حين يفقد القدرة على التمييز بين الحاجة والرغبة، وبين الضروري والعابر، يصبح أكثر عرضة لأن يقيس حياته بما يضيفه إليها، لا بما يحققه فيها. فيظن أن المزيد من المال سيمنحه بالضرورة مزيدًا من الطمأنينة، وأن المزيد من الممتلكات سيمنحه مزيدًا من الرضا، وأن بلوغ المكانة التي ينشدها سيضع حدًّا نهائيًّا لقلقه. ثم يكتشف، بعد أن يقطع شوطًا من الطريق، أن بعض الأسئلة التي هرب منها لا تزال تنتظره في نهايته، وأن الإنسان قد يغير بيته وعمله ومحيطه، ثم يصطحب معه فراغه القديم إلى كل مكان.
ولعل المأساة الأعمق أن الوفرة، حين تنفصل عن الغاية، لا تعود نعمة خالصة؛ إذ قد تمنح الإنسان كل ما يحتاج إليه ليشغل وقته، دون أن تمنحه ما يحتاج إليه ليمنح وقته قيمة. وهنا يبدأ ذلك التناقض المربك: أن تكون حياة المرء مزدحمة إلى حد الإنهاك، بينما يشعر في أعماقه أنها خالية من شيء لا يستطيع تسميته؛ أن ينقضي يومه بين الأعمال والرسائل والأخبار والمواعيد، ثم إذا أرخى الليل سدوله وسكنت الأصوات من حوله، وجد نفسه أمام سؤال بسيط لا تجيب عنه كل تلك المشاغل:
ماذا فعلت اليوم مما يستحق أن أذكره غدًا؟ وما الذي أضافته هذه الساعات إلى حياتي، سوى أنها مضت؟
وليس الفراغ، كما قد يتبادر إلى الأذهان، أن يجلس المرء وحيدًا لا يجد ما يفعله؛ فقد يكون أشد الناس انشغالًا أعمقهم فراغًا، وقد يكون أكثرهم حركة أقلهم تقدمًا نحو غاية حقيقية. فالفراغ الذي أعنيه ليس خلوَّ الوقت من الأعمال، وإنما خلوَّ الأعمال من الوجهة؛ أن تتحرك كثيرًا دون أن تعرف إلى أين تمضي، وأن تنفق أيامك في إنجاز ما لا تتذكر لماذا بدأته، وأن تمتلئ ساعاتك بما يستنزف انتباهك، بينما تظل روحك في انتظار شيء يمنح كل ذلك مبررًا.
إننا لا نعاني دائمًا من قلة ما نفعله، بل ربما نعاني، في كثير من الأحيان، من كثرة ما نفعله دون أن نعرف ما الذي يستحق أن نفعله.
ولهذا، نجد كثيرين يعيشون حياة لا سقف لطموحاتها ورغباتها ومشتتاتها، ولا قرار تستقر عنده النفس لتسترد أنفاسها وتراجع حساباتها. كل شيء يدعو إلى المزيد، وكل لحظة تفتح بابًا إلى لحظة أخرى، وكل فراغ صغير نسارع إلى ملئه بشيء جديد، حتى لم نعد نعرف كيف نجلس مع أنفسنا دون أن نستدعي ما يصرفنا عنها.
لقد صار الانتباه سلعة تتنازعها الشاشات، وصار الصمت مساحة نخشى أن تطول، وصارت العزلة، التي كان يمكن أن تكون خلوة نستعيد فيها ذواتنا، عند بعضنا حالة لا تُحتمل إلا إذا شُغلت بشيء.
والعجيب أننا لم نعد نحتاج إلى البحث طويلًا عما يبدد أوقاتنا؛ فالمشتتات تأتي إلينا متتابعة، لا تكاد تترك بين الواحدة والأخرى فسحة للتأمل. خبر يتلو خبرًا، وصورة تستدعي أخرى، ومقطع يجر وراءه عشرات المقاطع، حتى تنقضي ساعة بعد ساعة دون أن نشعر كيف تسللت من بين أيدينا. وما إن نفرغ من هذا كله حتى نجد أنفسنا مستعدين لتكراره، لا لأننا خرجنا منه ممتلئين، بل لأننا لم نعد نعرف كيف نواجه الفراغ الذي كنا نهرب منه.
وهكذا قد يصبح الترفيه، الذي كان ينبغي أن يكون استراحة من الحياة، بديلًا عنها؛ وتغدو المشتتات ملاذًا مؤقتًا من أسئلة لا نريد مواجهتها، أو مسؤوليات نؤجل النهوض بها، أو شعور مبهم بأن أيامنا تمضي دون أن تترك في نفوسنا أثرًا يتناسب مع ما تستهلكه من أعمارنا.
وليس العيب في أن نرفّه عن أنفسنا أو نستمتع بما أتاحه لنا العصر من وسائل، وإنما في أن نبلغ من الاعتماد عليها حدًّا لا نعود معه قادرين على احتمال لحظة هادئة، أو متابعة فكرة حتى نهايتها، أو إنجاز عمل يحتاج إلى صبر، أو الإصغاء إلى إنسان دون أن تنازعنا رغبة في تفقد شيء آخر.
إن أخطر ما قد يصيب الإنسان ليس أن يضيع وقته فحسب، بل أن يفقد الإحساس بقيمة الوقت الذي يضيعه. فالوقت لا ينقص من أعمارنا وحدها، وإنما يسهم، بما نضعه فيه، في تشكيل ذواتنا أيضًا. وما نكرره كل يوم يصبح، على نحو ما، جزءًا من شخصياتنا؛ فإن اعتدنا التشتت تفرقت قوانا، وإن اعتدنا التأجيل تراجعت قدرتنا على المبادرة، وإن اعتدنا الهرب من كل ما يتطلب جهدًا أو صبرًا، ضاقت نفوسنا بما يحتاج إلى الجهد والصبر.
ثم نكتشف، بعد حين، أننا لم نعد نملك من التركيز ما يكفي لبناء شيء، ولا من المثابرة ما يكفي لإتمامه، ولا من السكينة ما يكفي للاستمتاع بما أنجزناه.
وإذا كان الإنسان قديمًا يشكو قسوة الظروف وضيق الخيارات، فإن إنسان اليوم قد يجد نفسه أمام ابتلاء من نوع آخر؛ إذ تتاح له خيارات لا تكاد تُحصى، حتى يصبح الاختيار ذاته عبئًا، وتُفتح أمامه نوافذ لا تنتهي، حتى يعجز عن الاستقرار أمام نافذة واحدة. وحين تكون الأشياء متاحة على الدوام، قد يفقد بعضها قدرتها على إثارة الدهشة، وحين يصبح الانتقال من شيء إلى آخر سهلًا، لا يكلف إلا لمسة إصبع، تتراجع أحيانًا قدرتنا على البقاء مع الشيء حتى ندرك قيمته.
إن الوفرة التي كان يُفترض أن توسع خبرتنا بالحياة قد تشتت تلك الخبرة، إذا لم نملك من الوعي ما يجعلنا نحسن الاختيار، ومن الإرادة ما يجعلنا نلتزم بما اخترناه.
ولعل هذا ما يفسر جانبًا من ذلك الشعور الذي يتسلل إلى المرء رغم انتظام شؤون حياته: شعور بأنه يفتقد شيئًا، مع أنه لا يستطيع تحديد ما ينقصه. فهو ليس جائعًا بالمعنى المعتاد، ولا محرومًا بالضرورة من أسباب الراحة، ولا عاجزًا عن الوصول إلى ما يرغب فيه، لكنه لا يشعر بذلك الامتلاء الذي كان يتوقع أن يصاحبه كل هذا التيسير.
وقد يظن أن حاجته تكمن في تجربة جديدة، أو رحلة بعيدة، أو مقتنى آخر، أو إنجاز يضاف إلى سجل نجاحاته، فيسعى إلى تحصيله، فإذا به يعود إلى الشعور ذاته بعد انقضاء نشوته الأولى.
ذلك أن الإنسان لا يعيش بالمتعة وحدها، وإن كانت المتعة جزءًا جميلًا من الحياة، ولا تستقيم نفسه بمجرد إشباع حاجاته، مهما تنوعت وتيسرت. إنه يحتاج كذلك إلى غاية يسعى إليها، وعمل يرى في إتقانه قيمة، وعلاقات يجد فيها صدقًا وانتماءً، ومبادئ تهديه حين تتزاحم أمامه الطرق.
يحتاج إلى أن يشعر بأن وجوده ليس مجرد مصادفة يملؤها كيفما اتفق، ولا سلسلة من الأيام المتشابهة التي تنقضي حتى ينتهي العمر، وإنما رحلة يشارك في تشكيلها، ويستطيع أن يرى في بعض ما يبذله من جهد معنى يتجاوز لحظة الراحة التي تعقبه.
وقد عبّر الفيلسوف فريدريش نيتشه عن أهمية وجود غاية تمنح الإنسان القدرة على احتمال المشقة؛ فحين يعرف المرء لماذا يسعى، تتغير علاقته بالطريق وما يواجهه فيه من صعاب. وليس المقصود أن الغاية تعفينا من الألم، أو أن صاحب الرسالة لا يعرف الضعف والتعب، بل إن وجود ما يستحق السعي قد يجعل المشقة أكثر احتمالًا.
فالجهد الذي يبدو عبثًا حين نفتقد وجهته قد يصبح محتملًا، بل محبوبًا، حين نعرف ما الذي نبنيه من خلاله. ولعل الفرق بين إنسان ينهكه الطريق وآخر يستمد منه قوته لا يكمن دائمًا في مقدار ما يواجهانه من صعاب، وإنما في المعنى الذي يربط كلًّا منهما بما يسير نحوه.
ومن هنا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يشغلنا ليس: كيف نملأ أوقاتنا؟ بل: بماذا تستحق أوقاتنا أن تُملأ؟ وليس: كيف نحصل على المزيد؟ بل: أيُّ مزيد يستحق أن ندفع من أعمارنا ثمنًا له؟
فثمة فرق بعيد بين إنسان يجعل المال وسيلة لبناء حياة كريمة، وآخر يجعل حياته كلها وسيلة لجمع المال؛ وبين من يستخدم التكنولوجيا لتوسيع معرفته، وإنجاز أعماله، وتقوية صلاته بالآخرين، ومن يتركها تستولي على انتباهه حتى تغدو هي التي تحدد له ما يرى وما يسمع وما يفكر فيه.
الأشياء ذاتها قد تكون نعمة في يد إنسان، وقيدًا في يد آخر؛ وما يصنع الفارق ليس دائمًا طبيعة الأشياء، بل موقعها من سلم أولوياتنا.
وليس معنى ذلك أن نفتش عن حكمة الحياة في أعماق بعيدة، أو أن نطلب لأنفسنا رسالة عظيمة لا ينهض بها إلا أصحاب الإنجازات الاستثنائية. فقد نبالغ أحيانًا في تصور المعنى، فنربطه بحدث كبير، أو شهرة واسعة، أو أثر يتجاوز حدودنا، ثم نغفل عن أن للحياة معانيها الهادئة التي لا تقل قيمة لمجرد أنها لا تصنع ضجيجًا.
قد يجد الإنسان معنى في أن يتقن عمله، وإن لم يعرف الناس اسمه، أو أن يربي أبناءه على الاستقامة، أو أن يخفف عن إنسان وجعًا لم يكن يراه أحد، أو أن يظل وفيًّا لمبدأ حين يكون التخلي عنه أسهل الطرق.
وما أكثر ما نظلم أيامنا حين نبحث فيها عن الاستثنائي ونزدري العادي! ننتظر مناسبة كبيرة لنشعر بالفرح، وإنجازًا ضخمًا لنشعر بالفخر، وتغييرًا جذريًّا لنعتقد أن حياتنا قد بدأت حقًّا؛ ثم تمر بنا لحظات صغيرة كان يمكن أن تمنحنا من السعادة والطمأنينة ما لا تمنحه المناسبات الكبرى، فلا نلتفت إليها لأننا كنا مشغولين بانتظار ما هو أكبر.
والحقيقة أن الحياة لا تُعاش في محطاتها النادرة وحدها، وإنما في المسافات الطويلة التي تفصل بينها؛ في صباح هادئ، وعمل نؤديه بإخلاص، وحديث صادق، وكتاب يفتح لنا بابًا إلى فكرة جديدة، ويد نمدها في الوقت الذي يحتاج فيه أحدهم إلى من يسانده.
وقد يكون من أعظم ما نتعلمه أن الامتنان ليس مجرد شعور لطيف تجاه ما نملك، بل هو قدرة على رؤية ما اعتدناه بعين لم تفقد حساسيتها تجاه النعمة. فكم من إنسان لا يعرف قيمة العافية إلا حين يختبر المرض، ولا يستشعر دفء القرب إلا حين يذوق مرارة الفقد، ولا يدرك قيمة الأيام العادية إلا حين يتمنى عودتها بعد أن تنقضي.
وليس مطلوبًا منا أن ننتظر الخسارة حتى نتعلم التقدير؛ إذ يمكننا أن نتدرب على رؤية النعمة قبل أن تتحول إلى ذكرى، وأن نمنح الأشياء التي تستحق الامتنان حقها من الانتباه، بدلًا من أن نستهلكها في صمت ثم نكتشف قيمتها بعد فوات الأوان.
وليس في هذا كله دعوة إلى الانقطاع عن العالم، أو إدانة مظاهر التقدم، أو اتخاذ الفقر والبساطة غايتين في ذاتهما؛ فكم من وسيلة حديثة قرّبت بعيدًا، وكم من معرفة متاحة فتحت أمام إنسان طريقًا لم يكن يحلم به، وكم من رفاهية خففت عن الناس مشقة طالما أثقلت حياتهم.
وإنما الدعوة إلى أن نستعيد حقنا في الاختيار، وألا نترك وفرة الأشياء تسلبنا القدرة على معرفة ما نحتاج إليه منها، وألا نسمح للمشتتات بأن تستهلك من انتباهنا ما نحتاج إليه لبناء ذواتنا وعلاقاتنا ومستقبلنا.
إننا لا نحتاج بالضرورة إلى تقليل الأشياء من حولنا بقدر ما نحتاج إلى إعادة ترتيبها؛ ولا إلى إغلاق أبواب العالم، بل إلى أن نعرف أي الأبواب يستحق أن نطرقه، وأيها يكفي أن نمر به دون أن نتوقف. نحتاج إلى أن نصالح أنفسنا مع الصمت، وأن نمنح عقولنا فرصة للتفكير دون انقطاع، وأن نتعلم فضيلة الإقامة في اللحظة بدلًا من القفز المستمر إلى ما يليها.
ونحتاج، قبل ذلك كله، إلى أن نسأل أنفسنا بين حين وآخر: هل تقودني عاداتي إلى الحياة التي أريدها، أم أنني أكررها لمجرد أنني اعتدت عليها؟ وهل ما يشغلني اليوم يقربني مما أؤمن بقيمته، أم أنه يسرق مني الوقت الذي أحتاج إليه للوصول إليه؟
ولعل أول الطريق إلى استعادة المعنى أن نتوقف عن معاملة الحياة بوصفها مساحة ينبغي أن نملأ كل فراغ فيها. فالفراغ ليس عدوًّا في كل الأحوال؛ قد يكون المساحة التي تنضج فيها الأفكار، والهدوء الذي نستعيد فيه قدرتنا على الإصغاء، والمهلة التي نكتشف خلالها أننا كنا نركض طويلًا دون أن نسأل أنفسنا عن وجهتنا.
وما أحوج الإنسان إلى لحظات لا يطالبه فيها شيء بأن يستهلك أو ينتج أو يستجيب؛ لحظات يجلس فيها مع نفسه، لا ليفر منها، بل ليعرفها، ويصغي إلى ما أهمله صخب الأيام، ويعيد النظر في الأشياء التي منحها من عمره أكثر مما تستحق، والأشياء التي حرمها من وقته رغم أنها أولى به.
فليس من الحكمة أن نملأ كل ساعة، وإنما أن نعرف متى يكون الامتلاء ضرورة، ومتى يكون الصمت أثمن من الكلام، والتأني أنفع من السرعة، والامتناع عن بعض الأشياء أصدق تعبيرًا عن حريتنا من القدرة على امتلاكها جميعًا.
وليس النجاح أن نبلغ كل ما يمكن بلوغه، بل أن نحسن التمييز بين ما نستطيع تحصيله وما يستحق أن نسعى إليه؛ فالعمر، مهما طال، لا يتسع لكل شيء، ومن يحاول أن يمنح كل شيء انتباهه قد ينتهي به الأمر إلى ألا يمنح شيئًا منه حقه.
إن الحياة لا تصبح عميقة بكثرة ما نمر به من تجارب، وإنما بمقدار ما تتركه تلك التجارب فينا من فهم ونضج وأثر. وقد يقطع المرء آلاف الأميال دون أن يغادر مكانه من الداخل، وقد يقضي أعوامًا في مطاردة ما يظنه السعادة، ثم يكتشف أنه كان يطارد صورتها لا حقيقتها.
وفي المقابل، قد يتعلم من تجربة واحدة ما يعيد ترتيب حياته كلها، أو يجد في كلمة صادقة ما يبدل نظرته إلى نفسه والعالم، أو يكتشف في مسؤولية حملها بإخلاص غاية تمنح أيامه وجهة لم يعرفها من قبل.
وهنا تعود إلينا المسألة في صورتها الأكثر وضوحًا: ليست المشكلة أن الأشياء كثيرة، ولا أن الحياة الحديثة سريعة، ولا أن وسائل الترفيه متاحة، بل أن الإنسان قد ينسى، في غمرة ذلك كله، أنه ليس مطالبًا بأن يستجيب لكل ما يُعرض عليه، ولا بأن يسعى وراء كل ما يراه، ولا بأن يقيس قيمته بما يملكه أو بما يراه الآخرون فيه.
إن من حقه أن يختار ما يمنح حياته معناها، وأن يرفض ما يبدد عمره، وأن يسير بإيقاعه الخاص حين يصبح إيقاع العالم من حوله مصدرًا للإنهاك والتشتت.
فهل نعيش عصرًا من وفرة الأشياء وفقر المعنى؟
ربما كان الأدق أن نقول إننا نعيش عصرًا تتكاثر فيه فرص العثور على المعنى بقدر ما تتكاثر فيه أسباب الانصراف عنه؛ عصرًا يضع بين أيدينا أدوات غير مسبوقة لبناء حياة أكثر ثراءً، ثم يختبر قدرتنا على ألا نستبدل بهذه الحياة انشغالًا لا ينتهي.
ولسنا محكومين بأن نكون ضحايا هذا التناقض؛ فما زال في وسعنا أن نختار، وأن نعيد ترتيب أولوياتنا، وأن نمنح انتباهنا لما يستحقه، وأن نتذكر أن الإنسان لا يُقاس بما يحيط به من أشياء، وإنما بما ينهض به من قيم، وما يتركه من أثر، وما يجده في أعماقه من أسباب تجعله راغبًا في أن يعيش يومًا آخر.
فربما لم تعد حاجتنا الكبرى أن نضيف إلى الحياة مزيدًا من الأشياء، بل أن نضيف إلى أنفسنا مزيدًا من الوعي بما نريد، ومزيدًا من الحكمة فيما نختار، ومزيدًا من الصدق في الإجابة عن السؤال الذي نؤجله كلما ازدحمت أيامنا: ما الذي يجعل هذه الحياة جديرة بأن تُعاش؟
فالأشياء، مهما كثرت، لا تستطيع أن تجيب عن هذا السؤال نيابة عنا؛ والتقدم، مهما اتسعت آفاقه، لا يعفينا من مسؤولية البحث عن غاياتنا؛ والعالم، مهما امتلأ بما يلفت أنظارنا، لن يمنحنا بالضرورة ما يستحق أن يستقر في قلوبنا.
ولعل النجاة ليست في أن نمتلك العالم، ولا في أن نهرب منه، وإنما في أن نتعلم كيف نعيش فيه دون أن نفقد أنفسنا؛ أن نأخذ من الأشياء ما يعيننا على الحياة، دون أن نجعل حياتنا ثمنًا لامتلاكها، وأن نفتح نوافذنا على العالم دون أن نسمح لرياحه بأن تبدد كل ما استقر فينا من يقين، وأن نمضي في أيامنا بقلوب تعرف ما تحب، وعقول تعرف ما تختار، وأرواح لا تخلط بين كثرة الانشغال وثراء الوجود.
فليست الحياة أن نعبر أكبر عدد من الطرق، أو أن نجمع أكبر عدد من الأشياء، أو أن نملأ كل لحظة بما يصرفنا عما سبقها؛ إنما الحياة، في جوهرها، أن نعرف أيَّ الطرق يستحق أن نسلكه، وأيَّ الأشياء يستحق أن نحتفظ به، وأيَّ اللحظات تستحق أن نكون فيها حاضرين حقًّا.
فما جدوى أن تتسع الدنيا من حولنا إذا ضاقت أنفسنا بما فيها؟ وما قيمة أن نبلغ أقاصي العالم إذا عجزنا عن بلوغ أنفسنا؟ وما جدوى أن نمضي أعمارنا في جمع ما يمكن امتلاكه، إذا انتهى بنا المطاف إلى اكتشاف أننا أهملنا، في زحام الجمع، الشيء الوحيد الذي لا يمكن تعويضه إذا ضاع: حياة كان ينبغي أن نعيشها، لا أن ننشغل عنها حتى تنقضي.