أحمد صبري شلبي يكتب: جات فيك يا بدر
اللي مش عارف… يغادر
عبارة حاسمة أطلقها الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال كلمته في احتفالات الذكرى الـ 74 لعيد الشرطة، لتلخّص جوهر الرسالة الموجّهة إلى مؤسسات الدولة ومسؤوليها. معيار واضح لا لبس فيه: القدرة على التطوير والإنجاز شرط للاستمرار، أما البقاء دون أثر فلم يعد مقبولًا.
ورغم جدية المعنى، جاءت الكلمات في سياق حديث اتسم بالمصارحة الممزوجة بروح إنسانية خفيفة، وهو الأسلوب الذي اعتاد المصريون أن يتلقّوا به رسائل الدولة على لسان رئيسهم: لغة بسيطة، مباشرة، خالية من التعقيد الرسمي، لكنها تحمل داخلها معاني حاسمة. لم يكن الهدف توبيخًا، بل تذكيرًا واضحًا بأن المسؤولية في هذه المرحلة تتطلب ضميرًا حاضرًا وكفاءة حقيقية، وأن المناصب لم تعد تحتمل المجاملة أو الاكتفاء بالشكل دون الجوهر.
العفوية المقصودة… أسلوب تواصل لا ارتجال
هذا المزاح الرسمي الذي بدا عفويًا في لحظته، لم يكن خارج سياق الخطاب، بل كان جزءًا من بنيته. فحين يتحدث رئيس الجمهورية في احتفال رسمي للدولة، فإن كل كلمة تُقال تكون محسوبة، وكل تعبير — حتى وإن خرج في صورة خفيفة — يحمل رسالة مقصودة. العفوية هنا كانت أسلوب تواصل ذكيًا، يخاطب وجدان المصريين بلغة بسيطة مباشرة، بلا تعقيد خطابي.
جات فيك يا بدر… المنصب ليس رفاهية
عندما وجّه الرئيس حديثه لوزير الخارجية قائلاً: «جات فيك يا بدر…» بدت الجملة خفيفة، لكنها حملت رسالة واضحة: المناصب الرفيعة ليست وجاهة ولا سفريات وبروتوكولات، بل مسؤوليات ثقيلة تتعلق بمصالح الدولة وصورتها في الخارج. وزارة الخارجية ليست موقعًا بروتوكوليًا مريحًا، بل ساحة عمل دقيقة تُقاس بالنتائج لا بالمظاهر.
رجالتك دول هيودوك في داهية… المسؤولية من القمة إلى القاعدة
وبالروح نفسها، قال لوزير الداخلية: «رجالتك دول هيودوك في داهية…». عبارة ضاحكة في ظاهرها، لكنها حملت مفهومًا إداريًا عميقًا: المسؤول الأول يُحاسَب عن أداء وسلوك كل من يعمل تحت إدارته. كل تصرّف فردي ينعكس على رأس المؤسسة، ما يعني أن القيادة مسؤولية شاملة لا إشراف شكلي.
رؤية شاملة لمعركة الوعي
لم يطرح الرئيس “معركة الوعي” كشعار ثقافي، بل كملف استراتيجي يمس أمن الدولة. فبناء الطرق والمدن لا يكتمل دون بناء الإنسان. التعليم، الإعلام، الثقافة، والمؤسسات الدينية كلها أطراف في معركة واحدة هدفها حماية العقول من التطرف والشائعات والتضليل. الوعي هنا ليس ترفًا فكريًا، بل ضرورة وطنية.
المسؤولية ليست إدارة فقط… بل إصلاح وتطوير
أكد الرئيس أن كل مسؤول تدرّج داخل مؤسسته ويعرف تفاصيلها جيدًا، وبالتالي فهو الأقدر على إصلاحها. المعرفة هنا مسؤولية، وليست عذرًا.
ومن الرسائل الجوهرية التي شدد عليها الرئيس أن المنصب لا يعني مجرد تسيير الأعمال اليومية، بل يعني أن وراء كل مسؤول مؤسسة كاملة يجب أن تتطور وتتحسن باستمرار. فالمطلوب ليس الحفاظ على الوضع القائم، بل الارتقاء به: تطوير الأداء، وزيادة الشفافية، وترسيخ الشرف الوظيفي، وتعزيز الأمانة، ورفع كفاءة المؤسسة وقدرتها على القيام بدورها.
بهذا المعنى، تحوّل المنصب من موقع إداري إلى موقع إصلاحي؛ فالمسؤول الحقيقي لا يكتفي بأن “يمشي الشغل”، بل يترك أثرًا واضحًا يُحسب له بعد مغادرته. إنها دعوة لأن يكون كل موقع قيادة نقطة انطلاق نحو الأفضل، لا مجرد محطة عبور مؤقتة.
التطوير الهادئ… فلسفة دولة
أوضح أن الدولة “تطور كل شيء… لكن بهدوء”، في إشارة إلى أن البناء الحقيقي يتم بالتراكم والاستمرارية لا بالصخب والشعارات.
والمناصب ليست مواقع مريحة، بل أمانات ثقيلة، والبقاء فيها مرتبط بما يقدمه المسؤول من تطوير حقيقي.
رسالة لكل إنسان… لا للمسؤولين فقط
ورغم أن الخطاب جاء موجّهًا في ظاهره إلى الوزراء وكبار المسؤولين، فإن معناه يتجاوز حدود المناصب الرسمية. فالكلمات التي قيلت يمكن لكل إنسان أن يضعها معيارًا لنفسه في أي موقع يكون فيه: في عمله، في بيته، في أسرته، في مجتمعه. فكرة أن وراءك مسؤولية يجب أن تطورها وتحسنها وتزيد من أمانتها وقدرتها، لا تخص وزيرًا فقط، بل تخص الأب في أسرته، والمعلم في فصله، والموظف في مكتبه، وكل من وُضع في موقع تأثير ولو كان بسيطًا.
بهذا المعنى، لم يكن الحديث مجرد توجيه إداري، بل رسالة تنمية بشرية وأخلاقية شاملة: أن تسأل نفسك دائمًا ماذا أضفت؟ ماذا طوّرت؟ هل تركت المكان أفضل مما وجدته؟ إنها دعوة لمراجعة الذات قبل محاسبة الآخرين، ولممارسة المسؤولية كقيمة إنسانية يومية، لا كلقب وظيفي عابر.
شهادة الناس… والحساب أمام رب الناس
وجاءت الخاتمة لتتجاوز حدود المسؤولية الإدارية إلى أفق أوسع، حين أكد الرئيس أن الجميع محل شهادة، وأن المسؤولية ليست فقط أمام الدولة أو المجتمع، بل أمام الله. فكل إنسان — مهما علا منصبه — سيأتي يوم يترك فيه موقعه ويقف فردًا للحساب. القرار، والأمانة، والعمل، كلها ستُعرض في ميزان لا تغيب عنه التفاصيل. هنا تتكامل الدائرتان: شهادة الناس في الدنيا، وشهادة رب الناس في الآخرة.
ختاما
"إحنا كلنا هنموت وهنقابل ربنا، وكل واحد فيكم هيتحاسب على اللي كان ماسكه… وأنا لما بقول الكلام ده، بأقيم الحُجّة عليكم قدّام الناس وربّ الناس"