Sunday, 2026-03-29
مقال 29 March 2026 53 مشاهدة

عمار ياسر يكتب: حين نبني الإنسان نبني الوطن.. رؤية لإعادة ضبط سلوك الشارع المصري

الخط:
مشاركة:
عمار ياسر يكتب: حين نبني الإنسان نبني الوطن.. رؤية لإعادة ضبط سلوك الشارع المصري
سطور الخلاصة من الموقع
تخيّل معي مشهداً بسيطاً: طفل في العاشرة من عمره يعبر الشارع دون أن يلتفت يميناً أو يساراً، وشاب في العشرين يرمي علبة فارغة على الرصيف دون أن يرفّ له جفن، وسائق يتجاوز إشارة حمراء وكأنها لا تعنيه
تفاصيل الخبر كاملاً

تخيّل معي مشهداً بسيطاً: طفل في العاشرة من عمره يعبر الشارع دون أن يلتفت يميناً أو يساراً، وشاب في العشرين يرمي علبة فارغة على الرصيف دون أن يرفّ له جفن، وسائق يتجاوز إشارة حمراء وكأنها لا تعنيه. مشاهد عادية ربما، لكنها تحكي قصة أعمق بكثير.. قصة جيل فقد بوصلته، لا لأنه سيئ بطبعه، بل لأن أحداً لم يأخذ بيده في الوقت المناسب.

المشكلة ليست في الشباب، بل فيما لم نقدمه لهم.

 

من أين جاء الخلل؟

الإنسان لا يولد منضبطاً أو فوضوياً، بل يتشكّل بحسب ما يحيط به. وفي ظل التحولات الاجتماعية المتسارعة، وضغوط الحياة الاقتصادية التي تُثقل كاهل الأسر، وطوفان وسائل التواصل الاجتماعي الذي يعيد تشكيل القيم بلا رقيب، وتراجع دور الأسرة والمدرسة في التأطير التربوي، وجد كثير من الشباب المصري أنفسهم في فراغ قيمي حقيقي.

لم يختاروا الفوضى، بل وجدوا أنفسهم فيها.

ولهذا، فإن المعالجة الحقيقية لا تبدأ بالعقوبة، بل بالفهم. لا بالقمع، بل بالبناء. لا بالقانون وحده، بل بتغيير ما في الداخل.

 

الرؤية: نبني إنساناً لا مجرد قواعد

الفكرة الجوهرية التي تقوم عليها هذه الرؤية هي أن الانضباط ليس سجناً يُفرض، بل هو حرية حقيقية يكتسبها من يتعلّم كيف يتحكم في نفسه ويُحسن التعامل مع العالم من حوله.

ومن هذا المنطلق، تُطرح فكرة "التأهيل العسكري التربوي" لا بوصفها نظاماً صارماً يُرهب الأطفال، بل بوصفها مدرسة للحياة، تُعلّم النشء كيف يقفون في الصف، كيف يحترمون الوقت، كيف يعملون مع فريق، وكيف يتحملون مسؤولية أفعالهم. إنها تجربة تحوّل الفرد من الداخل قبل أن تُغير سلوكه في الشارع.

 

كيف يبدو هذا على أرض الواقع؟

أولاً: مراكز التأهيل في كل محافظة

في كل محافظة، تُنشأ مراكز تأهيل تجمع بين الروح العسكرية في الانضباط، والروح التربوية في التوجيه. ليست ثكنات عسكرية باردة، بل بيئات حيّة يشعر فيها الشاب أنه يتدرّب على الحياة لا على الحرب. ويُشرف عليها مربّون وخبراء نفسيون إلى جانب كوادر تدريبية مؤهّلة.

ثانياً: برنامج التأهيل على مراحل العمر

لأن التربية رحلة لا محطة واحدة، يمتد البرنامج ليُرافق الإنسان في محطاته الكبرى:

بعد الابتدائية: شهران يُزرع فيهما في قلب الطفل احترام القاعدة قبل أن يتعلّم كيف يكسرها. يتعلّم كيف يصطف، كيف ينصت، كيف يشاركه الآخرون في الفضاء نفسه.

بعد الإعدادية: شهران آخران حين يكون المراهق في أحرج مراحله، يجد نفسه في بيئة تُقوّي إرادته وتُعلّمه أن المسؤولية ليست عبئاً بل شرفاً.

بعد الثانوية: شهران أخيران على عتبة النضج، يُعدّ فيهما الشاب لمواجهة الحياة بوعي وانتماء، ويخرج منها بإحساس حقيقي بمعنى المواطنة.

ثالثاً: شهادة تُثبت أنك جاهز للحياة

في نهاية هذه الرحلة، يحمل الخريج شهادة التأهيل الشخصي، وهي ليست مجرد ورقة، بل وثيقة تقول للعالم: هذا إنسان تعلّم كيف يكون مسؤولاً. وتُعتمد هذه الشهادة في بعض التعاملات الحكومية لمن أتمّ مسيرته الجامعية، لتكون دافعاً حقيقياً للمشاركة لا مجرد إلزام.

 

ولكن هناك تحدٍّ أكبر يجب أن نواجهه بصراحة

لا يمكننا أن نبني إنساناً منضبطاً في مجتمع تتآكله ضغوط لا تُحتمل. والحقيقة التي يجب أن تُقال بصوت عالٍ هي أن النمو السكاني المتسارع يُضيّق الفضاء المعيشي، ويُرهق الموارد، ويُقلّص الفرص، وكل ذلك ينعكس في نهاية المطاف على مزاج الشارع وسلوكه.

فلا يمكن أن يكون الشارع هادئاً في مدينة تختنق بأعداد لا تحتملها خدماتها.

 

الرؤية الأشمل: التأهيل وتنظيم الأسرة وجهان لعملة واحدة

هنا يأتي البُعد الأذكى في هذه الرؤية: استخدام منظومة التأهيل نفسها أداةً للتأثير الناعم على السلوك الإنجابي للأسر، لا بالإكراه، بل بالحافز الذكي.

في المرحلة الأولى (أول خمس سنوات):

تُعلن الدولة بوضوح أن الالتحاق ببرامج التأهيل المميّزة مرتبط بأن لا يتجاوز عدد أبناء الأسرة طفلين. الرسالة ليست عقوبة، بل دعوة: "حين تُحسن اختيار عدد أبنائك، نُحسن نحن خدمتهم لك."

هذا التوجه المتوقع أن يُسهم في:

 

رفع وعي الأسر بأهمية التخطيط للمستقبل

تقليص معدلات الإنجاب بشكل إنساني وتدريجي

تحسين جودة رعاية الأبناء داخل الأسرة ذاتها

 

في المرحلة الثانية (بعد خمس سنوات):

مع تحقيق قدر من التوازن في الموارد والخدمات، تُراجَع السياسة بمرونة، ويُرفع الحد المسموح به إلى ثلاثة أبناء، في رسالة واضحة تقول: الدولة تتطور مع شعبها ولا تُعاقبه.

 

ما الذي سيتغيّر حقاً؟

حين يخرج جيل تعلّم أن للوقت قيمة، وللقاعدة معنى، وللآخر حقاً، وللمسؤولية ثمناً، عندها لن نحتاج إلى كاميرات مراقبة في كل زاوية، ولن نحتاج إلى غرامات في كل تقاطع. لأن الانضباط سيكون قد انتقل من الخارج إلى الداخل، من القانون إلى الضمير.

وهذا هو الهدف الحقيقي: لا شارع تحرسه الشرطة فحسب، بل مواطن يحرس نفسه.

 

خاتمة: الرهان على الإنسان

مصر ليست بحاجة إلى مزيد من اللوائح، بل إلى مزيد من المربّين. ليست بحاجة إلى مزيد من الغرامات، بل إلى مزيد من الفرص. وليست بحاجة إلى شباب خائف من القانون، بل إلى شباب يؤمن بالقانون لأنه يفهم لماذا وُجد.

بناء الإنسان مشروع لا ينتهي، لكنه الوحيد الذي يستحق أن يبدأ. وحين نضع حجر الأساس الصحيح في روح هذا الجيل، فإننا نبني بالفعل مصر التي نحلم بها جميعاً.

W
بقلم: Writer

كاتب ومحرر في بوابة الجمهورية الثانية.